(11-26-2013, 07:47 AM)zaidgalal كتب: الله لم يحل لهم الخمر لا في آية في القرآن ولا في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم!
صدقت أخى.. و أحب أن أشير لموضوع كتبته فى منتدى العقلانيين العرب عن الخمر هذا موجزه للإفاده:
أولا: خرافة التحريم التدريجى:
تقول كتب الفقه و التفاسير و الصحاح أن تحريم الخمر أتى تدريجيا، و أن هناك ما يسمى إجماعا فقهيا على هذا التدرج مستدلين على ذلك بالقرآن الذى أتى بالتحريم على مراحل يرونها كما يلى:
١) قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) النساء ٤٣.
٢) قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...) البقرة ٢١٩.
٣) التحريم النهائى فى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) المائدة ٩٠، ٩١.
و الغريب فيما أسموه بالإجماع أن من اليسير على من لم يدرس شيئا له علاقة بالفقه أو التفسير أو ما يسمونه بعلم الحديث ألا يرى فى هذه الآيات الكريمة أى تحريم تدريجى على الإطلاق كما سنرى على النحو التالى:
١) فى الآية الأولى - النساء ٤٣، لا نرى ذكرا صريحا للخمر، و الاستدلال عليها فى كلمة "سكارى" هو استدلال فاسد، لأن السكر فى اللغة هو حالة فقد نسبى للوعى تنشأ من عوامل متعددة، منها النعاس قبيل النوم، وقبيل الموت، وبعض الأمراض، وتناول بعض الأدوية، وشرب الكحوليات والمخدرات؛ و من ثم فإن الآية تتحدث عن حالة لها أكثر من مسبب؛ فلماذا نربطها بمسبب واحد كالخمر؟!
٢) ألم يصف القرآن حالة السكر فى مواضع أخرى مثل قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) الحجر ٧٢، و قوله تعالى: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ق ١٩، و قوله تعالى: (...وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) الحج ٢؛ فهل تلك كلها حالات سكر بفعل الخمر؟!
٣) لو افترضنا أن كلمة "سكارى" فى الآية الأولى - النساء ٤٣ - تشير إلى تأثير الخمر؛ فأين مرحلة التحريم المزعومة هنا؟ أليست القاعدة التشريعية تقول بأن أصل الأفعال أنها حلال ما لم يرد بشأنها نص بالتحريم، و بالتالى فالخمر شأنها شأن أى فعل كان فى الأصل حلالا فأين الحكم المنسوخ ؟!
٤) النهى فى: (لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) يتعلق بأداء الصلاة فى حالة سكر؟ التحريم يتعلق إذا بالصلاة فى حالة السكر، و لا يتعلق بالسكر تحديدا، مثله كمثل الصلاة فى حالة جنابة أو نعاس أو نزيف أو إسهال، كما تذكره الآية بوضوح فى قوله تعالى: (...وَلاَ جُنُبًا...) فهل الجنابة حرام؟ طبعا لا، و إلا لما ضاجع رجل امرأته حتى لا يصبحا جنبا، و هل النعاس حرام كى لا ينام أحد؟ و هل النزيف و الإسهال حرام كى لا يمرض أحد؟!
٥) فى الآية الثانية - البقرة ٢١٩ - نرى تحريما قطعيا واضحا للخمر و ذلك بإدراجها تحت بند الآثام، إذ كيف نفهم التعبير القرآنى واضح الدلالة فيما قرره الله تعالى فى الخمر و الميسر بأن: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)؛ يقول عنها سبحانه بأنها "إثم" و "كبير"؛ فماذا يعنى كون الفعل إثما كبيرا؟ ألا يعنى ذلك قطعية التحريم؟ أين إذن التدرج هنا؟! و قد يأتى من يدعى أن قوله تعالى فى نفس الآية: (.. وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا..) أن التحريم ليس قطعيا لأن فى الخمر "منافع للناس"، و نرد؛ أليس فى الزنا و إدارة البغاء منافع للناس من تصريف للشهوة و تهدئة للغريزة و تحسين لظروف المعيشة باتفاق أطرافه؟ أليس فى سرقة الأغنياء منافع للفقراء؟ أليس فى الميسر نفع للرابح و لمن يديرونه؟ كذلك فى الخمر منافع للناس منها لذة شربها و إلا لما دلل القرآن على ذلك فى قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ...) محمد ١٥؛ فنرى كيف ضرب الله بها مثلا للذة و الأمثال لا تضرب إلا على ما هو معلوم و مدرك و إلا لانتفى الغرض الاستدلالى منها.
٦) التحريم الوارد فى المائدة ٩٠، ٩١ لا يدخل ضمن أى تدرج فى التحريم، لأن هذا التدرج لم يكن موجودا فى الأصل كما أوضحنا، و بالتالى لم ينسخ حكما مسبقا لأن الأصل فى الخمر أنها حلال حتى نزل النص المحرم؛ فأين النص المنسوخ؟
إن كان هذا المنطق الواضح غائبا عن إدراك من نطلق عليهم "علماء دين" و عن المؤسسات الدينية كالأزهر و مجمع البحوث و دار الإفتاء و دعاة الفضائيات و غيرهم؛ فما هو حال عامة الناس المغيبين تماما داخل قوالب رؤى و فتاوى و تعاليم هؤلاء؟ و لماذا لم يعمل الأزهر على تنقية تلك الكتب طوال عمره المديد؟ و إلى أى مدى سنظل على تلك الثقة العمياء فى كتب التراث و نقلتها المسمون بالعلماء بينما القرآن بين أيدينا واضح الدلالة و يخاطب أى مستوى فكرى دون الحاجة لشهادة فى علم أو دراسة متخصصة؟!
ثانيا: وهم الإجماع على تحريم الخمر:
القرآن واضح و قطعى الدلالة فى تحريم الخمر، و الأدلة من كتاب الله تعالى سقناها على نحو ما فصلناه، و رغم ذلك فإننا نرى أحد أئمة الفقه الأربعة الكبار و آخرين معه من فطاحل فقهاء السلف يجيز شربها بشرط ألا تكون من عصير العنب و ألا يصل شاربها لحالة السكر !!
ورد فى فقه السنة – باب الحدود: (..ولم يخالف في ذلك أحد سوى فقهاء العراق، وإبراهيم النخعى، وسفيان الثورى، وابن أبى ليلى، وشريك، وابن شبرمة، وسائر فقهاء الكوفيين، وأكثر علماء البصريين، وأبى حنيفة، فإنهم قالوا: بتحريم القليل والكثير من الخمر التى هى من عصير العنب، أما ما كان من الأنبذة من غير العنب، فإنه يحرم الكثير المسكر منه، أما القليل الذى لا يسكر، فإنه حلال(!!
و لا أدرى ما الفرق بين خمر العنب و خمر ما سواه إن كانت جميعها من المسكرات؟ و كيف يخالف هؤلاء "الفطاحل" صريح القرآن؟ و أى منطق ساروا عليه و نص التحريم قاطع و يسرى على الخمر بأنواعها كلها طالما يؤدى أى نوع منها إلى السكر سواء كان عنبا أم تفاحا أم رطبا؟!
و إن كانوا من الآخذين بالرواية عن النبى؛ ألم يرد فيها تحريم قطعى للخمر مهما قل أو كثر مقدارها؟: (كل مسكر حرام) البخارى ٤٣٤٣، و (كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام) سنن ابن ماجه.
إذن؛ عندما يقطع النص القرآنى بتحريم الخمر و تسلك الروايات عن النبى نفس طريق التحريم، فكيف يستقيم مع ذلك أى اجتهاد أو جدل فقهى و خصوصا من بارزين مثل أبى حنيفة النعمان (الكوفة 80ﻫ)، وهل صدق ما روى عن البخارى أنه قال فى أبى حنيفة: (استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين وحينما سمع سفيان بن عُيَينة بوفاة أبى حنيفه قال: كان يهدم الإسلام عروة عروة، وما ولد فى الإسلام مولود أشأمُ منه) التاريخ الأوسط ٢:٩٣ للبخارى، تاريخ بغداد ١٣:٣٩٢، المجروحين ٣:٦٦؟
و هل يعكس ذلك ما هو معروف عن انتشار الخمر فى بعض البلدان الإسلامية، بل و حضورها الكثيف فى أدبيات العصرين الأموى و العباسى، و ما درج عليه بعض خلفاء المسلمين من شرب الخمر حتى أن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، و هو الخليفة؛ إشتهر بمجونه و شرب الخمر علانية، و أكثر من ذلك ما روى من أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك و هو الخليفة أيضا (المقتول سنة ١٢٦هجرية) أمر فنصبت له خيمة الشراب فوق الكعبة! (البداية و النهاية لإبن كثير ١٣:١٣٧، تاريخ الإسلام للذهبى ٨:٢٩١، تاريخ دمشق لابن عساكر ٦٣/٣٣٥) و يذكر أن هذا الخليفة لم يتمكن من تحقيق فعله الشنيع!
نحن لا نهاجم الإمام و هو ما عرف عنه بالورع الشديد و الكرم و الإنفاق على العلم و طالبيه و حسن السيرة، و لكن ربما - لأنه لم يكن مدونا وأكثر علمه نقل من طلابه - نفهم أن احتمال الدس عليه وارد بشدة لكثير ما دون عنه إذ لا يستطيع العقل أن يقبل موقف الإمام أبو حنيفة و فقهاء عصره إلا أن يكون هذا اللغط ليس مما جرى على ألسنتهم، و لم تخطه أيديهم.
كما نستخلص من ذلك ما يؤيد دائما حقيقة خطورة نقل و تداول الروايات التاريخية مما تمتلئ به كتب السنن و الصحاح و المسانيد المتخصصة فى الرواية عن النبى صلى الله عليه و سلم و التى تدعى الصحة و التوثيق فيما لا يمكن توثيقه أو إثبات صحته بأى آلية، و التى تناقض نفسها، و تناقض المنطق فى كثير من الأحيان، بل و تناقض صريح القرآن كما رأينا فى حالة الخمر و حالات أخرى، ثم بعد ذلك ندعى أن هناك إجماعا فقهيا بينما المسلمون ممزقون بين فرق و مذاهب و أصحاب طرق و طوائف كلها تختلف على أساس دينى، و كثيرا ما يكفر بعضها بعضا و كل ذلك نرده إلى كثرة الرواية عن النبى و الاعتماد الأساسى عليها و إهمال صريح القرآن و هو الأولى بالاتباع و الاحتكام إليه، و لغياب المنهج العلمى فى أسلوب التربية و التعليم فى جميع المراحل و خصوصا الأولية و اعتمادها الأساسى على التلقين و الحفظ و التلقى الأعمى.