نادي الفكر العربي
العيد في السجن - نسخة قابلة للطباعة

+- نادي الفكر العربي (http://www.nadyelfikr.com)
+-- المنتدى: الســــــــاحات العامـــــــة (http://www.nadyelfikr.com/forumdisplay.php?fid=3)
+--- المنتدى: فكـــر حــــر (http://www.nadyelfikr.com/forumdisplay.php?fid=57)
+--- الموضوع: العيد في السجن (/showthread.php?tid=33333)

الصفحات: 1 2 3


العيد في السجن - أحمد كامل - 10-02-2004




أبو مخلص وست سنوات في المنفردة


في المهجع الطويل كان هنالك رجل في عقده السادس نحيل الجسم قلق النظرات دائم الحركة صامت بلا كلام ولا سلام
لم يحفل بقدومنا إلا بنظراته المتوجسة وعيناه الصغيرتين الواسعتي الإنفتاح وشق شفته العليا الذي يكسب وجهه بعضا من ابتسامة ساخرة قسرية بلا إرادة
كان بين واقفا سائرا جيئا وذهابا وبين مستلقيا على ظهره رافعا رأسه بيديه التي لفها حول رقبته من الخلف
علمنا من المقيمين أن اسمه أبى مخلص
هو لم يشاركنا المجلس ولا المنام بل كان ميالا للاعتزال ولكن صدفة جعلتني أبدو قريبا منه
وربما تهيأ للعنصر الذي كان يسترق النظر علينا من خلف الباب أنني كنت أحدثه لكن الحقيقة أنني كنت أحدث رفيقا لي كان جالسا بقربه
العنصر يفتح باب المهجع ويشير إلي بإصبعه أن آتيه
تنبه الجميع لدخول العنصر ونهضت وذهبت إليه ليصحبني خارج المهجع جانبا ويسألني سؤلا مباشرا
ماذا كان يقول لك أبى مخلص ....؟؟
استغربت السؤال وأجبته بتماسك أنا لم أحدثه وهو لم يحدثني قط
رد العنصر بلغة التهديد الجماعي
إياكم أن يحدثه أحد أو يقترب منه
لم أرد على تحذيره ولكن بطبيعة الحال كانت خطواته قد عادت باتجاه المهجع ولحقت به ليوصلني إلى داخل المهجع ويقفل الباب
اجتمع علي الزملاء وأخبرتهم بالذي حصل
كانت بمثابة لغز لي والبعض تحفذنا لمعرفة سره
في مساء يوم آخر وحيث هرع الجميع لتقاسم المكان إعدادا للنوم صدفت الصدف أن أكون قريبا من أبى مخلص
و استلقيت على ظهري ورحت انشد مطلعا لمنشد من أحد فرق الإنشاد الدينية والذي يدعى على ما اعتقد خانطوماني ( نسبة لبلده خانطومان )

كان مطلع النشيد يقول :

يا صاحبي طول الجفا
أورث قلبي المضنا كي
تعطفو تلطفو
حالي فإني مرهف

فما كان من أبى مخلص إلا أن هم جالسا ليتابع النشيد

دع طرق الغي فالدنيا في
الكل يفنى والباقي حي

ثم يعيد بصوت شجي

يا صاحبي طول الجفا .... الى نهاية المقطع

يبدو أنها كانت إشارة الأمان التي كان أبو مخلص ينتظرها لينطلق لسانه ويسرد لنا قصته

أبو مخلص هو أبو مخلص الحوا ابن العم القريب لسعيد حوا أحد قادة الأخوان المسلمين في سوريا في ذلك الزمن
هو عضو قديم في حركة الإخوان المسلمين ترك العمل السياسي في الجماعة مع بداية السبعينات عندما نشب الخلاف مع السلطة حول الدستور
كان مديرا لإحدى ثانويات مدينة حماه
قرر أبو مخلص تغيير كنيته ليتخلص من ثقل قرابته بسعيد حوا فصارت كنيته بدل حوا بوا

مع بداية الأحداث في مطلع الثمانينات استجاب لفترة العفو التي ضٌمنت في مقدمة المرسوم 49 التي القاضي بإعدام كل منتسب للجماعة إذا لم يسلم نفسه خلال فترة العفو ويخبر الأجهزة المختصة بالمعلومات التي يمتلكها عن الجماعة
كان يعرف الكثير من قيادات الأخوان المتوارين فأتت به مخابرات سرايا الدفاع لتستعمله متعاونا معها و أسكنته إحدى الشقق التابعة لها في منطقة المزة في دمشق حب ما قال
كان عليه أن يغادر لفترات محددة وبإذن الموكل إليه ثم يعود إلى البيت ليمضي فيه ليله ونهاره
مرت سنة وسنتان وثلاث سنين و أبو مخلص مطواع عاقل ينفذ كل ما يطلب منه
لكن الملل وانشغال البال على الأولاد والعمل بدأ يفرخ الكثير من الوساوس في صدر الرجل
فما كان منه إلا أن خرج ولم يعد

بقي أبو مخلص ثلاثة شهورا متواريا إلى أن وقع يوما في قبضة مخابرات السرايا وكانت وقعة

الكرابيج والكهرباء والركل والشحط والدعس والشد واللبط
والدواليب والفلقة والكراسي بأنواعها
الخنق بالماء والشبح والتربيط ومنع النوم وتحريم الإستلقاء والوقوف لأيام وتحريم الوقوف وخازوق الجلوس

أبو مخلص اليوم الفريسة
شهر وشهران وأبو مخلص يدعو ربه أن امتني والرب تنكر لأبي مخلص فكلما طلب الموت أمد بعمره لتبدأ حفلة تعذيب جديدة

استمرت الحال بأبي مخلص حتى بلغت الشهور الثلاثة

لم يعد في جسمه موضعا للضرب ولا في لحمه إلا بعض من دم
أبو مخلص كل ما فيه صار أزرق

كان يتكلم وشق شفته العليا يشكف طول ما تبقى من أسنان في فهمه
امسك بشفته تلك وشدها وهو يقول انظر إلى شفتي هذه لقد أخطتها بخيط من البطانية بعد أن طاحت بها نهاية الكيل الرباعي المتسلخ الأسلاك

باستغراب سألته وكيف أخطتها ومن أين جئت بالإبرة ....؟؟

أجاب الرجل وهو يستهزيء بإبرتي قائلا :
أي إبرة يا سيدي إنها عظمة من ساق دجاجة وجدتها في أرض المنفردة ( الزنزانة )
نعم هذا هو القول الصحيح فالثقوب واضحة بين شعيرات شاربيه
أبو مخلص هذا أمضى في زنزانته البالغة من المساحة أقل من مترين مربعين ست سنين

لقد فقد الرجل صوابه وعدمت حاله ولم يتوقف عنه كيد التعذيب إلا بعد أن حلت مخابرات السرايا وحول معلقا إلى أمن الدولة بلا تهمة ولا صلاحيات بإطلاق سراحه




العيد في السجن - أحمد كامل - 10-02-2004

أية جائزة هذه زوجة دكتورة وبنت صبية جميلة


اسمه وليد فلسطيني أردني الموطن
كان فدائي من المقربين للقائد وديع حداد أيام عزه
في إحدى حوادث اختطاف الطائرات كان وليد قائد المجموعة التي اختطفت طائرة ركاب وهبط فيها في مطار دمشق للتزود بالوقود
لم تكن السلطات السورية معنية بالحادث لكن قائد القوى الجوية في تلك الفترة اللواء ناجي جميل أراد أن يقدم مجهودا مشكورا لجهة الطائرة المخطوفة فاستغل هبوط الطائرة في مطار دمشق ليفتح بابا للتفاوض مع الخاطفين
تطورت لغة التفاوض لتصير شتائم وسباب متبادلة بين قائد المجموعة واللواء
بالنتيجة تزودت الطائرة بالوقود وأقلعت من مطار دمشق بسلام
دارت الأيام ومات وديع حداد وتزوج وليد بفتاة فلسطينية كانت في الصف العاشر الثانوي
بعد عدة شهور من زواجه حصل وليد على جواز سفر أردني مزيف وعبر به الحدود السورية متوجها إلى دمشق مخيم اليرموك
في البيت الذي توجه إليه القي القبض على وليد وسيق إلى السجن ليقابله اللواء بصفعة على وجهه واستعراض للقوة أكد فيه صدق عدائه للرجل
أمضى وليد في الفرع عدة سنوات ومن ثم رحل إلى سجن تدمر في أواخر السبعينات
لم أعد اذكر تاريخ اعتقاله ولكنه ليس بأقرب من العام 1975
في العام 1989 التقيته في صيدنايا مُرحلا مع من تم ترحيلهم من سجن تدمر
لم يكن مكان وليد معروفا من قبل أهله بالتالي لم يكن متاح لهم أو له اللقاء أو معرفة الأحوال وما استجد ومن مات ومن ما زال على قيد الحياة
في العام 1990 كان وليد بين اللذين أذن لهم بالزيارة ولكن لا أحد كان بمقدوره إخبار أهله المقيمين في الأردن

في نهاية العام وحيث كثرت الزيارات وصل خبر وجود وليد في السجن في سوريا لأمه
وصلت أم وليد في اليوم التالي إلى بوابة السجن تطلب زيارته وفق التصريح الذي حصلت عليه
كانت مفاجئة لا تصدق أن يزاع اسم وليد ويطلب للزيارة
كأنها كانت زيارة للجناح بأكمله
الكل مسرور والكل يتراكض سائلا أين وليد .... زيارة لوليد .... أخيرا يا وليد
وليد لبس ثيابا للزيارة وهو طائر بين تداعيات الفرحة وتوقعات المفاجئة والشوق والخوف والسؤال البسيط
أهي زوجتى
لا.. لا
أي زوجة تحتمل كل هذا الغياب
أهي أمي
لا ... لا
لا يعقل وإن كانت لم تزل على قيد الحياة أن تستطيع السفر
أسئلة مربكة محرجة ليس لها سبيل إلا الإسراع بالنزول إلى الزيارة ومعرفة الحقيقة

بعد تدقيق أسمه ادخل وليد خلف شبك الزيارة تائه النظرات باحثا عن الزائر الضائع في زحمة الزوار
وليد يلمح وجه العجوز طاعنة العمر المتورد الباسم
يا إلهي إنها أمي ... حمدا فما زالت على قيد الحياة
أمي .. يصرخ وليد مسرعا باتجاه الحاجز ... كيف حالك يا أمي
تجمدت نظرات الأم وتاه لسانها عن الكلام
يكرر وليد صراخه ... أمي .. أمي
لكن عيناه لا تكذبان فهذه الغادة الواقفة بقرب أمه والدموع تغسل وجهها الرائع ... يا الله كم هي حلوة
حلوة نعم .. نعم نعم إنها حلوة .. يتلعثم صوت وليد مشيرا بيده إلى الصبية باستغراب ... وقد أثقل ذهنه التساؤل
من أنتِ ..
قالها متحديا عجز العاطفة عن اكتشاف الحبيب الغير موعود
من أنت ِ
انهارت ملامح البنت وهو تتفحص مواصفات أبيها الذي تراه يولد أمامها للمرة الأولى صارخة
أنا غادة يا أبي ... أنا غادة يا أبي
آه يا حماقة العاطفة هي ليست زوجتي
و تقول أبي ... أنا أبي .. وهي غادة
كيف ذلك يا أمي
الأم تلقي ساعدها على كنف الصبية الحلوة
وتنطق أولى كلماتها
إنها غادة يا وليد
هذه ابنتك غادة يا وليد
ابنتي .. ألذي بنت ...؟؟
وهي غادة
يا للجمال
ويا لتوحش الدهر
ابنتي غادة وهذا الحاجز اللعين يفصل بيني وبين روحي التي ولدت وكبرت بعيدا عني
غادة ابنتي ... غادة حبيبيتي ... صراخ وليد على وطغى على الموقف
الكل توقف يراقب هجوم وليد على الحاجز
بيديه ورأسه ورجليه وكل جسمه وليد أضحى ماردا يناطح حاجز الزيارة وهو يصرخ
أيها السجان .. يا أوباش .. أمي ... غادة ... ابنتي .. ابنتي ... أهكذا يقابل المرء روحه التي ولدت وترعرعت بعيدا عن الجسد

يستقيظ وليد في غرفة مدير السجن وقطرات الماء تسيل على دروب صدره لتبرد قلبه المُنتَهك

طويلا طويلا نامت غادة على صدر والدها الذي عرفته لأول مرة اليوم
وليد يحملق فيها
يقيسها
يتأكد من وجود يديها ورجليها
أصابعه تختبر حقيقة رقبتها وانهمار شعرها

وليد نسي كل شيء .. كل شيء
تسأله أمه عن حاله فيجيب ابنته

طالت الزيارة وعاد المزارون إلا وليد
وقت الزيارة كان عشرون دقيقة
وها قد مضى على نزول وليد ما يقارب الساعة ونصف الساعة

كلما سألنا مُزار عن رؤيته لوليد يجيب إجابة غير مُفْهمة
الكل أجمع على أن وليدا فقد أعصابه واخرج من قاعة الزيارة

ولكن طالت غيبة وليد أين وليد ...؟؟

يظهر وليد أخيرا أمام باب الجناح
قسمات وجه منهكة وعينان متعبتان
خطوات متثاقلة ويدين بالكاد تقويان على رد التهاني

دخل وليد المهجع والسجناء تجمعوا عليه
كثير الكلام صار مقترا وانهالت الأسئلة
كان جوابه على معظم الأسئلة جوابا واحدا أن لديه بنت
الكل ليس مهما فقط عنده بنت
أخيرا تذكر وليد أنه لم يعر أخبار زوجته العناية ولم يعْلق في ذاكرته غير كلمة مسافرة التي أخبرته إياها ابنته غادة

بعد أن صحا وليد من هول الزيارة صارت المهاجع تقيم العزائم على شرف وليد
مليون مرة أخبرنا وليد أنه اكتشف أن لديه بنت
وتساؤل حائر عن زوجته التي لم يستفهم حالها
هي مسافرة ولكن أهي ما زالت على العهد أم هجرت ..؟؟
هي مسافرة ولكن أين ..؟؟
كان حرج الموقف يدفعه للتساؤل ويمنعه من الإجابة
فقط هي مسافرة هذا كل ما سمعه من ابنته

أمضى وليد يومين يردد كلام ابنته ويقتصر
في اليوم الثالث نادى المنادي باسم وليد أن تجهز للزيارة

ليس من المعقول أن تكون ابنته عادت لزيارته
عادت الأسئلة هذه المرة تفتك بأعصاب وليد
في غرفة المدير نهضت عن مقعدها سيدة أنيقة رصينة
أقدم وليد مخاطبا زوجته باسمها
طويلا تعانق الزوجان
مدير السجن ترك غرفته للعاشقين المنتهكين شوقا
تفاجأت الزوجة بإخبار زوجها لها أن ابنته وأمه قد زارتاه من يومين
أخبرته أن ابنتها اتصلت بها منذ ثلاث إلى باريس تخبرها بوجود والدها في سوريا سجن صيدنايا
وأنها تركت درسها وجاءت مسرعة
وليد عرف الآن تفسيرا لكلمة مسافرة
ولكنه لم يعرف سبب السفر وماهية الدراسة
فبادرها بالسؤال
وما كنت تعملين في باريس
ابتسمت السيدة وأخبرته أنها كانت تقدم أطروحة الدكتوراه في اللغة الفرنسية في باريس






العيد في السجن - أحمد كامل - 01-12-2006



كل عام والجميع بخير
(f)


العيد في السجن - Bilal Nabil - 01-12-2006

لعنة الله على الظلم ما احقره ...
:flam: