الحلقة الثالثة
مدخل إلى فهم إشكالية الربا
– المفاهيم القرآنية و الدورة المالية :
تعتبر محددات عرض النقد الرئيسة و التي تحكم عرض السيولة النقدية مشكلة حيوية أساسية من مشاكل الاقتصاد المعاصر ، و كما نعلم أن هذا الموضوع الشائك يتناول الأدوات التي تستعملها الدولة النقدية منها كسعر الصرف و الاحتياطي القانوني و الفائدة على أذونات الخزينة و المالية منها و على رأسها الإنفاق العام ، و معلوم تماماً انه رغم فعالية هذه الأدوات إلا أن الدور المتنامي اليوم أصبح لأداء الأسواق المالية و المؤسسات المالية و سعر الفائدة على الإيداع و السحب .
في ضوء ذلك يأتي الالتباس الأكبر في قضايا الاقتصاد المعاصر و هو ما يختص بالبنوك و نشاطها ، لكن قبل أن نعالج هذه المسألة من الجدير بالملاحظة حقا هو تنبه التنزيل الحكيم إلى أهمية الدورة النقدية و عجلتها ، و هي في واقع الأمر من المسائل التي أغفلت كما لاحظت من مراجعتي للمكتبة الاقتصادية الإسلامية ، بل و أكثر فقد لاحظت أن جل من تصدوا لعلاج القضايا الاقتصادية من وجهة نظر إسلامية في الحقيقة ليسوا من المختصين في علوم الاقتصاد و المالية و المصرفية بل من الفقهاء فواجهوا فعلاً إشكالاً في الفهم واضح بل و فج و خاطئ في معظم الأحيان للنظريات الاقتصادية ، فقد تجاهلوا أن الاختصاص في علوم الفقه لا يعني بحال التأهل للحديث في علم كالاقتصاد أو الطب أو غيره و هذا حقيقة من المشكلات التي أصبحت تشكل عائقا أمام الاجتهاد و تؤدي إلى استنتاجات فجة مجافية للعلمية تماما تطرح على الجمهور للأسف البالغ على أنها رأي الدين في المسألة مثار البحث و الجدل ، و هي ظاهرة من مخلفات تراثنا و معلوم أن العالِم في غابر الزمان كان عليه أن يلم بشتى مناحي المعرفة مما كان يؤهله لفحص أي شيء في الغالب فكان العالم طبيباً و فقيهاً و رياضياً و فيلسوفا وفلكياً ، لكن أما و قد تشعبت فروع المعرفة و تنوعت أغراضها و تعمقت أبحاثها و ازداد التخصص لم يعد بإمكان أي كان أن يلم بكل أصناف المعرفة فأصبح و للأسف الفقيه يفتي في مسائل كالطب و هو على غير دراية به و في الاقتصاد و غيره نحو ذلك مما يأتي فجاً مجافياً لحقائق علمية دامغة في أحيان كثيرة و لذا نقترح دائما الاستئناس برأي أهل الخبرة و الاختصاص قبل القفز إلى الإفتاء في مسائل يعنى بها غير الفقهاء من علماء .
مما بحثنا في أصله و معناه و تنبهنا إلى أهميته قوله تعالى : {والذين يكنزون الذهب والفضةْْ} و ما تضمنته من منع لكنز الذهب و الفضة ، ينبه إلى خطورة منع و عزل أجزاء من الثروة عن الإسهام في النشاط الاقتصادي أي التحول إلى رأس مال منتج بدلاً من بقائها رأس مال نقدي معزول عن المشاركة في الإنتاج و خلق المنفعة (لا نعتبر علمياً المال المعزول عن الدورة الاقتصادية رأس مال و لا يعتبر المال عامة رأس مال إلا عندما يوظف في الإنتاج) ، تتكامل هذه الصورة إذا ما وضعنا هذا مع ما صنفه الفقهاء التقليديون كركن ثالث من أركان الإسلام و هو الزكاة بما تضمنته من تشريعات ، فعلى ماذا تفرض الزكاة ؟
تفرض الزكاة على ما حال عليه الحول أي اكتمل على مرور حيازته عام كامل و بلغ النصاب !
تنبه الفقهاء إلى أهمية الدور الاجتماعي للزكاة و مسألة عدالة التوزيع ، لكن على ما نعلم لم يتنبه أحد إلى أهمية ذلك في الحض على عدم عزل الثروة عن النشاط الاقتصادي و استمرار رأس المال في العمل و الدوران على مر الحول أو العام ، فهذا هو الرسول (ص) من خلال فهمه للتنزيل الحكيم و نتائج تطبيقه يأمر القائمين على أموال اليتامى أن يتاجروا بها حتى لا تأكلها الزكاة !
فليست الزكاة فقط حافزا على استثمار المال بل كذلك الحيلولة دون أن يحول على المال حول في صيغة معينة فهكذا تتآكل الثروات الغير منتجة بالزكاة لحساب الثروات المنتجة و المتنامية ، إدراك عميق جدا يحول الثروة إلى قرض و هنا يكمن برأيي المتواضع مفهوم المال لله فهذا المال الذي بحيازتك هو لله و بالتالي للمجتمع كون الإنسان خليفته تأخذ منه الزكاة أي نسبة منه إذا حال عليه الحول بصيغته المعزولة عن الدورة المالية الاقتصادية؛ فهو إذن أشبه ما يكون بقرض اجتماعي يمنحه المجتمع للحائز و يدفع الحائز مقابل ذلك زكاة المال فإذا لم يكن مالا منتجا أتت عليه الزكاة بمرور الأعوام أما إذا كان منتجا نما و تزايد مما يعود على المجتمع خلق منافع إضافية وفق مبدأ اليد الخفية التي سبق أن تكلم عنها آدم سميث في كتابه ثروة الأمم بعبارته الشهيرة :"إن الإنسان و هو يعمل لتحقيق منافعه الخاصة إنما يفعل دون أن يدري فعل اليد الخفية التي تعود بالنفع على المجتمع" ، من الممكن أن تعمق هذه النظرة لتصوغ بذاتها نظاما شاملاً لدورة رأس المال كحوافز لعرض النقد.
فما نراه هنا أن الجزء المقتطع من مطرح الزكاة يتحول فوراً إلى إنفاق كما أن المال الذي ليس مطرحاً للزكاة هو بحكم الإنفاق فعلاً سواء كان إنفاق استثماري أو إنفاق استهلاكي ، لو فرضنا أن السوق ليس فيها أي اقتطاعات في هذا النموذج إذن لا يوجد تسرب حيث كل الدخل المتحقق للأفراد يعود إلى السوق على شكل إنفاق إما استهلاكي و إما استثماري ليحولها السوق مرة أخرى كدخول للأفراد إلا أن هذا الفرض خاطئ لأن الأفراد لا يحولون دخولهم كاملة للسوق مرة أخرى و دون حواجز زمنية بحيث يحدث تسرب على شكل اقتطاعات تحرج من هذه الدورة على أشكال أهمها الكنز .
لذا منع التنزيل الحكيم الاكتناز و حض على الإنفاق و فرض الزكاة ليمنع أن تظل الأموال خارج الدورة الاقتصادية ليضمن أن يعمل الاقتصاد بكامل طاقته و حاول أيضا أن يمنع أشكال استعمال المدخرات في استغلال الحاجة المتمثل بربا النسيئة فالأصل المشتق هنا عندنا هو أن تتوفر الأموال لتمويل نشاطات الاستثمار و الاستهلاك كهدف اقتصادي يرومه التنزيل الحكيم و استخدام آلية الكنز لاستغلال الحاجات الاقتصادية للمجتمع يمثل خللاً خطيراً يعاكس هذا الهدف.
و قد استخلص من ذلك الفقهاء أن أعمال البنوك الحديثة حرام شرعاً لأنه ينطبق عليها ذلك، استنتاج يبدو منطقياً ، لكن مهلاً لن نتخذ هنا دور الفقهاء إلا أننا سنحلل أبعاد هذا الموضوع بما لدينا من أدوات معرفية معاصرة.
من ناحية تنبه التشريع المحمدي إلى ضرورة إعادة الأموال المقتطعة إلى الدورة السوقية فشرع أشكالاً من الوساطة لإعادتها إلى السوق منها و أهمها عقد المضاربة ، و هو عقد يتم إبرامه بين طرفين الأول صاحب المال المضارب به و الذي يدفعه للثاني و هو المضارب مقابل نسبة من الربح التي يحصله الطرف الثاني و هو المضارب من استثماره و تشغيله لهذا المال و يتفق على مقدارها و بهذا يكون لصاحب المال تلك النسبة المتفق عليها من أرباح استعمال ماله إضافة لماله المضارب به و للمضارب الباقي من الربح بعد دفعه لتلك النسبة من الربح التي استحقت لصاحب المال ، فإذا ما وقعت الخسارة و ضاع المال يتحمل الخسارة صاحب المال الأصلي ولا يخسر المضارب بالمال إلا عمله ، و لصاحب المال أن يضمن العقد الشروط التي يرتئيها كتحديد مدة المضاربة بماله بحيث يرد له بعد انقضائها أو أوجه استخدام ماله فله أن يحدد للمضارب بماله وجه استثماره لها كأن يحصر ذلك في تجارة القطن مثلاً.
هناك أيضا أشكال أخرى كالإجارة و الرهن وغيرها ، اتخذت سبلاً لإعادة الأموال إلى الأسواق و الملفت أن هذه السبل إنما تضمن أن يعمل المال و أن يحقق النفع للطرفين بينا كانت القروض الربوية لا تؤدي إلا إلى ضرر حيث يدفع المال لمحتاج في سد حاجة فيطمع الدائن في زيادة في ماله إما بالاستيلاء على ما يملك الرجل أو كد جبينه أو حتى حريته ، لكن قبل أن نسترسل في الحديث عن البديل الإسلامي كما يسميه متصوروه وما يكنى بقاعدة البنوك الإسلامية .
لنا أن نتساءل ما هي حاجتنا للبنوك؟
قلنا أن الاقتطاعات من الدخل التي تذهب خارج الدورة الاقتصادية تؤذي اقتصاد الأمة ، و الاقتطاع عادة ما يكون كتراكم فائض إما لهدف إعادة الإنفاق على الاستهلاك كالادخار لشراء سيارة أو للاستثمار كشراء عقار أو آلة أو إنشاء مشروع ما ، و قد يكون لغرض اكتناز المال و إبعاده تماماً عن الدورة الاقتصادية دون أن يقع منه نفع و هذا الجزء بالذات هو الذي من المنطقي أن تطارده الشرائع جميعاً لتعيده بالاقتطاع منه تدريجياً إلى الأسواق فلا يعوض فيه عما يستقطع إلا بإنتاج جديد و وفر جديد و كلما كبر هذا الجزء و تناما كلما زادت القوة الاقتصادية المعطلة ، أما الادخار من اجل إعادة الإنفاق بدون نظام مصرفي فيعيبه أمران
الأول المدة التي تكون فيها الاقتطاعات تسربا من الدورة السوقية.
الثاني إبطاء عجلة السوق لأن عملية الادخار تستغرق وقتاً مما يبطئ من سرعة عمليات الاستهلاك و الاستثمار.
من ناحية أخرى يضم المجتمع طائفتين :
الأولى تملك المال و لكنها تعجز عن توظيفه لكنها بحاجة لذلك حتى لا تأتي الزكاة على ما تملكه من مدخرات من ناحية استهدفت كمطرح للزكاة و من ناحية أخرى منع عزلها على شكل كنز .
و الثانية التي لديها المشروعات و الحاجات و تعجز عن تمويلها .
و يكون دور المصارف تماماً تحقيق الوسيط الممتاز للتوفيق بين هاتان الطائفتان بما يضمن تحقيق مصالحهما و مصلحته و المصلحة العامة.
ذكرنا كيف أن المشرع الإسلامي أبدع نظام المضاربة كحل نوعي للمشكلة ، أما البنوك ففي هذه المسألة تتولى دور الوسيط ؛ الوسيط المضمون الذي يأخذ مال غير القادر على التوظيف ليعطي القادر عليه فيعجل الدورة و يساعد كثيراً في منع التسرب و في ضبط سياسة عرض النقد كأداة فعالة ، تفتح البنوك قدرة لا متناهية على التمويل لا يضبطها سوى سعر الفائدة و العائد على الاستثمار ، و يتأتى ربح البنك من الفارق بين عوائده و أهمها الفوائد المحصلة من القروض الممنوحة (ليس كل القروض الممنوحة ودائع بالضرورة فالبنوك وفق نظرية مضاعف الائتمان قادرة على خلق قروض أكثر مما بحوزتها من ودائع) و استثمارات البنك و بين تكاليفه المتمثلة بالفوائد المدفوعة للمودعين زائداً التكاليف التشغيلية ، و العمل البنكي على عكس ما يزعم الكثيرون عمل به مخاطرة تتوقف على عدة عناصر داخلية و خارجية و خاصة الوضع العام للاقتصاد الذي تعمل به فهي أول ضحايا الانتكاسات الاقتصادية و عرضة للإفلاس كذلك .
إذن البنوك تعمل على إلغاء مدة التسرب الذي تتطلبها عملية الادخار في حالة كان هذا الادخار بهدف إعادة الاستثمار أو الاستهلاك و كذلك المتجه للكنز منه و تضع الأموال المعزولة عن الدورة التشغيلية في السوق مرة أخرى بالتالي فأهم وظائفها هو أن تضمن منع حدوث أي تسرب للثروة خارج النظام المالي الاقتصادي .
و البنوك كغيرها من الأدوات الاقتصادية قد تكون شديدة النفع للاقتصاد القومي وهو الأصل فيها وقد تكون ضارة ، يتوقف ذلك بالأساس على القوانين و الأنظمة الرقابية خاصة منها التي تتأكد من سلامة الإجراءات و ملاءة العميل و أن لا تتحول البنوك إلى أوكار لنهب الشعوب كما حصل و يحصل و أكبر دليل هو ما جرى من فضيحة قروض البنوك المصرية المنهوبة و التي لا نظير لها في التاريخ .
البنوك أيضا وسيلة لتوجيه الاستثمار الوجهة التي تحتاجها البلاد و أيضا تعمل كمستشار للعملاء كافة لضمان أفضل توظيف للثروة ، لذا فأنه حتى الرافضين لمبدأ الفوائد البنكية لأسباب شرعية لا يستطيعون إنكار أهمية هذه المؤسسات و دورها الاستراتيجي في أي نظام اقتصادي متطور.
أطروحة حول مفهوم الربا – قراءة معاصرة
الربا لغة هو الزيادة ، ربا يربو ربواً: زاد وعلا ، ويربي يزيد ، قال تعالى :{ فَإِذَا انْزَلنَا عَلِيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ }[الحج:5] وقال : { أَنْ تَكُنَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّة} [النحل: 92] ، أي زاد عدداً ، وأربى زيد على عمر زاد عليه.
الربا في المصحف :
عنيت الآية 282 من سور البقرة عناية فائقة في تنظيم عملية القراض وتوثيقها ، وقد أولى النص القرآني عملية التوثيق هذه عنايته الفائقة فجاءت الآية 282 من سورة البقرة أطول آية في المصحف كله :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم }
كما نرى جاءت الآية واضحة صريحة و دقيقة و تكاد تكون نصاً قانونياً جامعاً مانعاً ، فقد خبر المسلمون الترحال والسفر في التجارة مما كان يجعل مثل هذه العمليات شائعاً وقد جاء النص يحدد بدقة كيف يجب أن يتم توثيق القراض و بالتفصيل و مهما بلغ القرض من حيث حجمه.
يعطينا هذا مؤشراً على دقة التنزيل الحكيم حيث تجب الدقة في التوثيق في مقابل مرونة النص و سعة دلالته رحمة من رب العالمين و معرفة علي عظيم بتقلب أمور العامة من زمن لزمن و من مكان لمكان مما يقتضي إتاحة هذه السعة التي هي جوهر الصلاحية و الاستمرارية لانها تضمن أن تظل القراءة الفاهمة منفتحة على هذه السعة الدلالية ، تخيل معي لو أن النص القرآني حدد بنفس الدقة الملحوظة أعلاه شكل النظام السياسي و طريقة تداول السلطة كيف سيكون الحال إذن ؟
سيأتي هذا التحديد مناقضاًً لطبيعة الواقع المتغير لكن التنزيل الحكيم برحابة دلالته إنما جعل القاعدة عامة مع إبقائه على جوهر العدل المجتمعي عندما قرر أن { أمرهم شورى بينهم } بكل رحابة الدلالة التي يحتويها لفظ الشورى بعيداً عن فهم المكفرة الضيق الذي يصر على حشر نفسه وحشرنا معه في قوالب جامدة تنافي روح التنزيل الحكيم و مرونته.
استند الفقهاء في قولهم بتحريم الربا و تحديد ماهيته إلى أربعة نصوص قرآنية هي :
أولاً : قوله تعالى في سورة آل عمران الآية 130 :
{ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة }
التضعيف هنا يأتي واضح الدلالة ، ويعود على الربا و يقع دلالة عليه و النهي عن الأكل لا يقع إلى بحضور الشرط هنا وجوباً و هو التضعيف ، بهذه الآية نهى الله عن مضاعفة الربا بأن يقع أضعافاً مضاعفة فمعنى ذلك ببساطة أن يصبح أصل المبلغ مضاعفاً غير مرة بفعل تضعيف الربا عليه، و قد خصه البعض بأنه مثل الفائدة المركبة ربا على ربا.
قال الطبري في تفسير ذلك :
" ... وَكَانَ أَكْلهمْ ذَلِكَ فِي جَاهِلِيَّتهمْ أَنَّ الرَّجُل مِنْهُمْ كَانَ يَكُون لَهُ عَلَى الرَّجُل مَال إِلَى أَجَل , فَإِذَا حَلَّ الْأَجَل طَلَبَهُ مِنْ صَاحِبه , فَيَقُول لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَال : أَخِّرْ عَنِّي دَيْنك , وَأَزِيدك عَلَى مَالِك ! فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ , فَذَلِكَ هُوَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة , فَنَهَاهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي إِسْلَامهمْ عَنْهُ . كَمَا : 6203 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , قَالَ : كَانَتْ ثَقِيف تُدَايِن فِي بَنِي الْمُغِيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَإِذَا حَلَّ الْأَجَل , قَالُوا : نَزِيدكُمْ وَتُؤَخِّرُونَ ! فَنَزَلَتْ : { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة }"
إذن لم ينهى هذا النص عن الربا نفسه إنما نهى عن مضاعفة الربا إن عجز المدين عن السداد ، و العلة في ذلك أن الربا الأولى إنما وقع بالاتفاق و الثاني وقع جبراً لأن المدين عجز ففقد خيار رفض التضعيف و اضطر لقبوله ، و هذا ما يجعل الفقهاء لا يعتدون بهذه الآية نصاً على رأيهم القائل بتحريم الربا نفسه و إنما هي عندهم لتحريم تضعيف الربا.(1)
بالعودة للتطبيق الجاهلي نرى أن الأصل فيه كما ورد عن المتقدمين " يكون الدين قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة مقابل الأجل ، و يتفق على هذه الزيادة الربوية بالتراضي بما يرى كل منهما مصلحة نفسه، و قد يدفع هذا الربا مقسطاً أقساطاً شهرية و يظل رأس المال باقياً ، فإذا حل موعد القرض طبقت القاعدة الجاهلية المعروفة إما أن تقضي وإما أن تربي" (2)
إذن ما نهت عنه الآية هنا هو الزيادة على رأس المال التي يوقعها الدائن على المدين متى حل السداد و عجز المدين عن الوفاء، و لا يقع على الربا المقسط الذي كان يستوفيه الدائن.
ثانيا : قوله تعالى في سورة النساء الآية (161):
{ وَأَخْذهمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلهمْ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }
نزلت في وصف بني إسرائيل. ويحيل الطبري في معنى الربا هنا إلى ما سبق له بيانه في سورة البقرة و سنأتي إليه.
ثالثا: قوله تعالى في سورة 30 الآية (39):
{ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَال النَّاس فَلَا يَرْبُو عِنْد اللَّه وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاة تُرِيدُونَ وَجْه اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ}
و هذه يبطل الاحتجاج بها على منع الربا المقصود هنا لأنها أساساً لا تتصل أبداً به ، ذلك أن هذه الآية عنيت بالربا العطية التي تعطى لاسترضاء أحد من الناس وهذا ما اتفق على معناه المفسرة ، و هو هنا يقارن و يقرن بينها و بين الزكاة التي يكافئ الله عليها عباده الذين يريدون بها وجه الله عز وجل، و هذا ما وافقه كما ذكرنا المفسرة و قال في تفسيرها الطبري:
"{ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَال النَّاس فَلَا يَرْبُو عِنْد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَعْطَيْتُمْ أَيّهَا النَّاس بَعْضكُمْ بَعْضًا مِنْ عَطِيَّة لِتَزْدَادَ فِي أَمْوَال النَّاس بِرُجُوعِ ثَوَابهَا إِلَيْهِ , مِمَّنْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ , { فَلَا يَرْبُو عِنْد اللَّه } يَقُول : فَلَا يَزْدَاد ذَلِكَ عِنْد اللَّه , لِأَنَّ صَاحِبه لَمْ يُعْطِهِ مَنْ أَعْطَاهُ مُبْتَغِيًا بِهِ وَجْهه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل."(3)
رابعا : قوله تعالى في سورة البقرة الآيات (275-280}:
{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُوم الَّذِي يَتَخَبَّطهُ الشَّيْطَان مِنَ الْمَسّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْع مِثْل الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّه الْبَيْع وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبّه فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْره إلَى اللَّه وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَق اللَّه الرِّباَ وَيُرْبِي الصَّدَقَات وَاَللَّه لَا يُحِبّ كُلّ كَفَّار أَثِيم * إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة لَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّه وَرَسُوله وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }
وهذه الآيات هي التي يرى المفسرة أن بها الدليل الحاسم على تحريم الربا ، لكن السؤال الذي يعنينا في هذا السياق هو : ما هو الربا الذي اصطلح عليه و حرم و ما مفهوم الربا الذي قصدت إليه الآية ؟
لنرى أولاً ما قاله الطبري في تفسير هذه الآيات:
"... وَحَرَّمَ الرِّبَا يَعْنِي الزِّيَادَة الَّتِي يُزَاد رَبّ الْمَال بِسَبَبِ زِيَادَته غَرِيمه فِي الْأَجَل , وَتَأْخِيره دَيْنه عَلَيْهِ . يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : وَلَيْسَتْ الزِّيَادَتَانِ اللَّتَانِ إحْدَاهُمَا مِنْ وَجْه الْبَيْع , وَالْأُخْرَى مِنْ وَجْه تَأْخِير الْمَال وَالزِّيَادَة فِي الْأَجَل سَوَاء , وَذَلِكَ أَنِّي حَرَّمْت إحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ , وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْه تَأْخِير الْمَال وَالزِّيَادَة فِي الْأَجَل ; وَأَحْلَلْت الْأُخْرَى مِنْهُمَا , وَهِيَ الَّتِي مِنْ وَجْه الزِّيَادَة عَلَى رَأْس الْمَال الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْبَائِع سِلْعَته الَّتِي يَبِيعهَا فَيَسْتَفْضِل فَضْلهَا , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَتْ الزِّيَادَة مِنْ وَجْه الْبَيْع نَظِير الزِّيَادَة مِنْ وَجْه الرِّبَا , لِأَنِّي أَحْلَلْت الْبَيْع , وَحَرَّمْت الرِّبَا , وَالْأَمْر أَمْرِي وَالْخَلْق خَلْقِي , أَقْضِي فِيهِمْ مَا أَشَاءَ , وَأَسْتَعْبِدهُمْ بِمَا أُرِيد , لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتَرِض فِي حُكْمِي , وَلَا أَنْ يُخَالِف فِي أَمْرِي , وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ طَاعَتِي وَالتَّسْلِيم لِحُكْمِي ... { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ } . يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : إنْ تُبْتُمْ فَتَرَكْتُمْ أَكْل الرِّبَا , وَأَنَبْتُمْ إلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , فَلَكُمْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ مِنْ الدُّيُون الَّتِي لَكُمْ عَلَى النَّاس دُون الزِّيَادَة الَّتِي أَحْدَثْتُمُوهَا عَلَى ذَلِكَ رِبَا مِنْكُمْ ...{ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { لَا تَظْلِمُونَ } بِأَخْذِكُمْ رُءُوس أَمْوَالكُمْ الَّتِي كَانَتْ لَكُمْ قَبْل الْإِرْبَاء عَلَى غُرَمَائِكُمْ مِنْهُمْ دُون أَرْبَاحهَا الَّتِي زِدْتُمُوهَا رِبَا عَلَى مَنْ أَخَذْتُمْ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ غُرَمَائِكُمْ , فَتَأْخُذُوا مِنْهُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ أَخْذه , أَوْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ قَبْل . { وَلَا تُظْلَمُونَ } يَقُول : وَلَا الْغَرِيم الَّذِي يُعْطِيكُمْ ذَلِكَ دُون الرِّبَا الَّذِي كُنْتُمْ أُلْزِمْتُمُوهُ مِنْ أَجْل الزِّيَادَة فِي الْأَجَل يَبْخَسكُمْ حَقًّا لَكُمْ عَلَيْهِ فَيَمْنَعكُمُوهُ , لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى رُءُوس أَمْوَالكُمْ , لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَكُمْ عَلَيْهِ , فَيَكُون بِمَنْعِهِ إيَّاكُمْ ذَلِكَ ظَالِمًا لَكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول وَغَيْره مِنْ أَهْل التَّأْوِيل."(4)
و أقول الربا هنا بقطع الدلالة ربا النسيئة وهو ما تعارف عليه العرب قبل الإسلام ، و ربا النسيئة هنا أن يحل موعد سداد الدين فيعجز المدين فيطلب إليه أن يربي مقابل تأجيل موعد السداد و هو الذي نزلت الآيات تحرمه أولاً أضعافاً مضاعفة وثانياً بالمطلق و دليلنا إلى ذلك هو ما عرفته العرب من أشكال الربا و منع بالنهي عنه ، لأن دائرة المنع إنما تطال مقصودها و ليس ما اشتقه و وسعه الفقهاء و قاسوا عليه و لنا لهذا رجعة موسعة مسندة بالسند العلمي.
أنواع الربا :
الربا نوعان : الربا الفضل و ربا النسيئة ، و في التطبيق يقع الأول في البيوع و الثاني في القروض
ربا الفضل: الفضل لغة في اللسان الزيادة (5) هو الزيادة التي يصيبها البائع من بيع الشيء بمثل جنسه ، أو هو :"التبادل اللحظي لكميتين أو نوعيتين غير متساويتين من نفس السلعة" (6)
و في تحريمه استند الفقهاء لحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري في كتاب البيوع لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا بناجز) (7)
وكذلك قوله الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعواالذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير كيف شئتم يدا بيد) (8)
إذن ربا الفضل هو الذي و قع تحريمه (حسب رأي السلف) في التبادل غير المتساوي لسلع ستة حددها النص هي الذهب و الفضة و القمح و الشعير و الملح و التمر ، و يقع في التبادل التجاري المباشر ، و علة تحريمه واضحة و هي منع الغش.
ذهب البعض لانتحال ربا الفضل علة في تحريم الفوائد البنكية
قلت هذا استدلال فاسد لمسألتين :
الأولى : أن ربا الفضل إنما يقع في البيوع لا في القراض .
و الثانية : أن ربا الفضل في بيع ناجز لسلع و ليست النقود سلعاً أصلاً .
و هو ما وافق عليه الجمهور ، لكن نقول الحديث و منع ربا الفضل إنما هو لعلة وقوع الغش فيه و يجوز سحبه على ما لم يوافق عليه الجمهور أي على أي سلعة أيا كانت و ليس فقط على الأنواع الستة ، ذلك أن الغش في البيع إنما هو الممنوع و المنهي عنه فيها و في غيرها ، فإذا كان لأحد حاجة في بيع بمثله نوعاً فالأصح أن يبيع ما عنده بمال ثم يشري بالمال حاجته من السلعة بنوع و كم آخر.
ربا النسيئة : النسؤ لغة التأجيل(9) ، وربا النسيئة هو ما عرفته العرب قبل الإسلام ، و كان يتم إيقاعه على المدين عندما يعجز هذا الأخير عن الوفاء بدينه فيقول له الدائن إما أن تدفع و إما أن تربي، هذه الزيادة لقاء النسئ (الإرجاء) هي ربا النسيئة.
يرى أبو حنيفة أنه يقع فيما يقبل الكيل و الميزان بينما يرى الشافعي أنه يقع في المطعوم (السالوس، 2005، 242-243)
يرى الرازي أن ربا النسيئة هو ما عرف قبل الإسلام إذ كان المال يدفع للمدين و يقبض بدل منه دفعات شهرية بينما يبقى رأس المال ثابتاً ، و عندما يستحق الأجل يسأل الدائن مدينه السداد لرأس المال فإن عجز عنه يؤجل الموعد مقابل أن يزيد في رأس المال ، هذا هو الربا المحرم.(10)
هنا من الواضح أن ما قصد بالربا ليس أجرة بدل الاستخدام الذي تقاضاها الدائن شهرياً (لازلنا تحت سقف فهم السلف) والتي كانت محل اتفاق الدائن و المدين عند توقيع القرض إنما هي الزيادة التي يفرضها الدائن على المدين عند عجزه عن الوفاء بدينه وقت سداد رأس المال فيفرض الدائن عليه مقابل التأجيل أن يزيد على رأس المال الأصلي هذه الزيادة التي تفرض لعجز المدين عن الوفاء بأصل الدين هي مدلول ربا النسيئة.
انتقل بهذا التقديم الموجز إلى مذاهب المسلمين في تحريم الربا و اباحته.
أولا: الرأي القائل بحرمة الفوائد البنكية على أنها ربا.
هذا الرأي هو الأشهر بين المسلمين ، و الذي عليه استندت البنوك الإسلامية و جميع المؤسسات التي ترى ربوية النشاط الاقتصادي المعاصر.
يعتمد القائلون بهذا الرأي ابتداء على الآيات التي سبق و اشرنا إليها من سورة البقرة 275-280 و كذلك الأحاديث النبوية التي سبق و ذكرناها، و فقيه البنوك الاسلامية القطري الأشهر د.علي أحمد السالوس لا يكتفي بذلك بل يذهب أبعد و يقول :"لا يستطيع المسلم أن يقول الربا حلال فهذا كفر صريح"(12)
لماذا يقول السالوس ذلك لأنه يعود مرة أخرى ليشير إلى من أباح فوائد البنوك قائلاً :"جعلوا التحريم مقصوراً على صورة واحدة لا نكاد نجد لها وجوداً في أي عصر أو مصر، وهي أن يقرض المسلم أخاه قرضاً حسناً ، فإذا حل الموعد وعجز عن الأداء استغل حاجته و قال له: إما أن تقضي و إما أن تربي "
و أقول بعيداً عن إقحامه لمصطلح قرضاً حسناً حيث لا لزوم له: أوليس هذا تماماً هو القراض الذي كان في الجاهلية؟
أولم تنصص كتب المتقدمين جميعاً في تفسير الآيات المتعلقة بالربا على هذا النوع ؟ عجبت إذن أن يقال لا نكاد نجد لها وجوداً في أي عصر أو مصر ، أولم يقل السلوس نفسه نقلاً عن سالفيه " و كانت القاعدة الجاهلية المشهورة إما أن تقضي وإما أن تربي" ؟ سنعود لاحقا لهذا التناقض العجيب.
يتنبه السالوس إلى أن ما جاء في تفسير الطبري و الرازي للآيات إنما يقتصر على ربا النسيئة ما قبل الاسلام : إما أن تدفع وإما أن تربي ، لذا يستعين بتفسير الجصاص الذي يذهب للقول : "معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة ، فكانت الزيادة بدلاً من الأجل ، فأبطله الله تعالى و حرمه" (13)
انظر - يرحمك الله- في تفسيرها ما نقله القرطبي أيضاً عن مجاهد :" كانوا يبيعون البيع لأجل فإذا حل الأجل زادوا في الثمن على أن يؤخروا ، فأنزل الله تعالى في هذا الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة}"
و العجيب أن السالوس نفسه يتنبه إلى مفارقة مذهب الجصاص لما نقله و ذهب إليه بقية المفسرة فقال في هذا التناقض :"يبدو لي – والله سبحانه أعلم – أن السبب هو أن العقد بدأ بيعاً آجلاً فليس فيه ربا و إنما طرأ الربا على عقد البيع عند حلول الأجل فلم يكن الاتفاق و التراضي على الربا من بداية العقد و إنما الأصل أن يبدأ العقد بتسليم المبيع و ينتهي بتسليم الثمن في موعده دون ربا أما الزيادة المشروطة في القروض فالاتفاق عليها من بداية التعاقد"(14)
أريد أن تنتبه معي عزيزي القارئ إلى أن السالوس وهو فقيه البنوك الإسلامية المعاصرة لا يهدف في هذا المقطع إلى إزالة التناقض بين ما نقله القرطبي عن مجاهد و ما قاله جمهرة المفسرة من جهة و بين قول الجصاص من الجهة الأخرى فقط و إنما و ذلك الأهم أنه يريد أن يميز عنه البيع الآجل بزيادة على سعر السوق الذي هو أحد النشاطات الرئيسة للبنوك الإسلامية التي يشرع لها السالوس!
بينما ذهب القرطبي و الرازي و الطبري إلى أن الربا كان في الجاهلية وفق قاعدة إما أن تقضي و إما أن تربي فإن فقهاء عصرنا يصرون على أن الربا هو الزيادة ؛ أيُّ زيادة مشروطة ، بغض النظر عن أي اعتبار و هذا توسع في التحريم نفسه المبني على فهم السلف و إلزام للأمة بما لم يلزمها به نص مصحفي صريح كذاك الذي نظم كتابة العقد في سورة البقرة وسبق لنا بيانه ناهيك عن أن هذه القاعدة تجافي المنطق الإسلامي ذاته كما سنبين لاحقا.
يرى السالوس أن الفوائد البنكية المعاصرة إنما يقع فيها ربا النسيئة لا ربا الفضل ، و يصل تدليس النقل مداه عندما ينقل السالوس تفسير الرازي للآيات "ربا النسيئة هو الذي كان مشهوراً متعارفاً عليه في الجاهلية و ذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً ، و يكون رأس المال باقياً ، ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال"(15)
و ينهي هنا اقتباسه المخل لأننا بالرجوع إلى النص الأصلي نجد السالوس قد حذف العبارة الأهم في نهاية هذا النص الذي نقله لأن الفخر الرازي كتب مكملاً في نفس النص "فإذا تعذر عليه الأداء زادوا في الحق و الأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به"
فحسب نقل السالوس عن الفخر الرازي نفهم أن ربا النسيئة هو بدل استخدام رأس المال الذي كان الدائن يتقاضاه من المدين ، لكن بالرجوع إلى النص الأصلي و العبارة كاملة نفهم أن ربا النسيئة كما يرى الفخر الرازي هو الزيادة التي يفرضها الدائن على رأس ماله الذي بقي عند المدين إن عجز عن تسديد هذا المال في نهاية المدة و ليس أبداً بدل الاستخدام الشهري كما ذهب السالوس ، و الفارق بينهما أبلج و من وجهين هما:
1- أن ربا النسيئة عند الرازي في كامل النص المقتبس ينصرف إلى الزيادة على رأس المال التي يفرضها الدائن على المدين عندما يعجز عن الوفاء في موعد السداد لأصل الدين بينما حسب نقل السالوس التدليسي ينصرف إلى بدل استخدام المال الذي كان الدائن يتقاضاه بصفة شهرية كما يقول السالوس في فهمه لما نقله عن الرازي.
2- أن بدل الاستخدام الذي كان يتقاضاه الدائن شهرياً هو من شروط العقد الرضائي بين الطرفين عند وقوع العقد أما الزيادة (ربا النسيئة) التي كان الدائن يفرضها على المدين عند عجزه عن الوفاء بأصل الدين لم تقع بالتراضي و لا نص عليها في شروط العقد الأصلي إنما هي نتيجة لاستغلال الدائن عجز مدينه عن الوفاء.
أقول إذن و أجري على الله مفرطاً - بحكم موقع السالوس و مكانته من البنوك الاسلامية - بكل ما قد أصيبه من فائدة بحكم تخصصي في البنوك الإسلامية بالتحديد إن هذا لعمري هو عين التدليس و الخداع و إهدار الأمانة العلمية.
و يدور السالوس على علة التحريم و يجعلها الزيادة المشروطة لا الظلم!
رغم أن السالوس نفسه يقول "أي زيادة على رأس المال يحرمها قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} وهذا خاص بالمدين الموسر أما المعسر فيبين حكمه قوله تعالى :{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون}"(16)
فهل العلة منع الظلم كما أفصحت الآية صراحة أم كما يريد السالوس الزيادة المشروط؟
ثم السؤال الآخر الهام والأساسي هل هذه زيادة فعلاً ؟
ذلك سؤال سنجيب عليه لاحقا.
ملخص المآخذ على الرأي القائل بالتحريم:
أولا : إن ما حدد من أشكال المال لا ينطبق مطلقا على النقود الائتمانية التي نتعامل بها لأنها ليست سلعاً بذاتها كما أنها مخزن لقيمة غير ثابتة .
ثانياً : لا ينطبق شرط اتفاق البدلان في الجنس و العلة على النقود الائتمانية إذا جرى عليها زمن ، و هذا ما أكدته الحقيقة العلمية الثابتة من اختلاف قيمة النقود بمرور الزمن عبر نظرية القيمة الوقتية للنقود التي سنتعرض لها لاحقاً.
ثالثاً : أغفل جانب هام من الآية التي تنص كما يرون على التحريم القاطع و هو علته أن لا يظلموا ولا يظلموا وقضاء الدين وفق معطيات نظرية القيمة الوقتية للنقود بنفس القيمة العددية معناه إلحاق الضرر المؤكد بالمقرض حتماً و هو ما لا يتفق والعلة علة التحريم التي حددوها .
أخيراً المحرمات محددة محصورة في المصحف مقرونة بلفظ و لا يجوز التجوز فيها مطلقاً فذلك تجاوز على حقوق الله الذي لا يجوز لغيره التحريم.
نتيجة مرحلية : أجمعت النصوص الأصولية التي وردت عن متقدمي المفسرة على أن الربا الذي عنته الآيات إنما هو الزيادة التي يطلبها الدائن على رأس ماله عند السداد و عجز المدين عن الوفاء و ليست لما اشترط من بدل استخدام المال حين العقد.
ثانياً : أراء الأعلام مِن مَن تقدمنا في إباحة الفوائد البنكية:
عام 1952 أفتى شيخ الأزهر الشيخ أحمد شلتوت بإباحة الفوائد على حسابات صندوق توفير البريد بحجة أنه ليس في النصوص الإسلامية ما يحرم ذلك.
في الحادي عشر من سبتمبر\أيلول 1989 أصدر فضيلة شيخ الأزهر الإمام الأكبر د.محمد الطنطاوي فتواه الشهيرة التي نشرت في كل الصحف المصرية وأثارت ضجة كبيرة بأن البنوك المتخصصة كالبنوك الصناعية و الزراعية و العقارية و ما شابهها و التي تقدم لأصحاب المشروعات المتنوعة النافعة ما هم بحاجة له من أموال لتنمية مشروعاتهم و تتقاضى بالمقابل دفعات مناسبة مقدرة من قبل الخبراء العدول على أنها أجور أو مصاريف إدارية ، جائز شرعا ولا بأس به، لأنه أيضا في مقابل خدمات معينة تقدمها تلك البنوك للمتعاملين معها ، فهذه نماذج من المعاملات و الأرباح التي اتفق المحققون على أنها حلال و جائزة شرعاً.
و أضاف أن تحديد الفائدة أو الربح مسبقا على الاستثمار جائز شرعا ولا بأس به على أساس أن البنك وكيل المودعين.
و قد وافق مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة على فتوى فضيلته بالأغلبية.
بينما اتهم السالوس فضيلة الإمام الأكبر بمنافاة الأمانة العلمية و ذكره بقوله تعالى {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} ، قلت أن رأي فضيلته يتلخص بالتالي:
أولا : فوائد الأنشطة البنكية ليست من الربا.
ثانيا: نشاطات البنوك هي نشاطات استثمارية.
ثالثا: البنك وكيل المودعين في أموالهم.
رابعا: قيم فضيلته عوائد البنوك كأجور خدمات.
و هذا الرأي يثير جملة من الإشكاليات نجملها بما يلي:
أولاً : البنك ليس وكيلاً للمودعين ، فالمودع دائن و البنك مدين و حقوق المودعين تظهر في كشوف البنك بصفتها ودائع تحت الطلب ، و لا علاقة للمودع بنشاط البنك و فيما يوظف أمواله بينما لو كان البنك وكيل المودع في ماله لسقطت تبعة توظيف المال عليه لكن الوديعة البنكية دين على البنك مربوط بفائدة و الودائع هذه التي هي ديون مطلوبة السداد من البنك في أي وقت تمثل ما بين 70-80% من أصول البنك ، فالأمام الأكبر هنا جعل البنك وكيلاً للمودعين و الحق انه مدين لهم و ليس وكيلهم في مالهم لأنه لو كان وكيلهم في مالهم فحسب القانون تقع عليهم تبعات عمله بأموالهم و هذا غير صحيح قانوناً ذلك أن البنك مدين لمودعيه بما أودعوه لديه و أياً كان نتاج عمله بمالهم فهو من يتحمل تبعات ذلك و لا يحق له تحميلها لمودعيه كما لا يحق لمودعيه إلا ما اتفق عليه من نسبة الفائدة و أصل المبلغ ؛ ربح البنك أو خسر فلمودعيه تماماً أصل المبلغ الذي أودعوه لديه مضاف له نسبة الفائدة المتفق عليها إذن القول أن البنك هو وكيل لمودعيه و عليه فلهم حق بعائد على هذا المال منافي للقواعد العلمية المالية و المصرفية و القانون ، و بالتالي فهو عار تماماً عن الصحة .
ثانيا: الوكالة تعطي للموكل إليه حق التصرف بموضوع الوكالة و نتيجة التصرف تعود على الموكل به و هو المال هنا بالربح أو الخسارة وفق النسب المشروطة ، وهذا ليس صحيح في حالة البنك و العميل المودع.
الودائع البنكية ليست إلا الودائع البنكية وهي وفوائدها مطلوبات واجبة السداد على البنك بغض النظر كيف استغلها البنك و ماذا حققت من أرباح أو خسائر، و الواقع أن البنك كشخصية اعتبارية هو وكيل مالكي أسهمه لا وكيل مودعيه.
ثالثاً : عوائد البنوك ليست فقط بدل خدمات بل هي عوائد على تحمل البنك لعدة أنواع من المخاطرة منها مثلاً لا حصراً : مخاطرة إفلاس العميل و مخاطرة التضخم و مخاطرة السيولة و مخاطرة السوق و مخاطرة الربحية .....الخ
مما تقدم نقول أن رأي فضيلة الأمام الأكبر على وجاهته إلا انه لا يتفق و قواعد العمل المصرفي من الناحية العلمية و القانونية.
من الآراء الهامة أيضاً في هذا السياق رأي الدكتور جمال الدين محمود ، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية و الذي نشر بحثاً في جريدة الأهرام القاهرية تحت عنوان مفهوم الربا والاقتصاد الحديث تناول فيه المسألة معتبراً أن علة تحريم الربا هي منع استغلال الدائن للمدين ، و قائلاً إن ذلك يسقط بسقوط العلة الموجبة للتحريم، و هي تسقط في حالة البنوك ، فالبنوك اليوم تحت رقابة الدولة و كلاً من المودع و المقترض لا يتخيل أصلاً أن يستغل أحدهما الآخر فلا المودع يستغل ظرف البنك و لا البنك يستغل ظرف المقترض منه.
على وجاهة رأي فضيلته ، فنحن لا نتفق معه في أن العلة هي ما ذكر ، لأن أشكالاً من الاستثمار الذي لا علاقة له بحاجة أو استغلال وفق المفهوم الذي طرحه قد عرفت من ذي قبل في الجاهلية و مثل ذلك أن العباس بن عبد المطلب كان يقرض التجار و يربي عليهم ، لذلك فإن النموذج التطبيقي التاريخي الذي جرى عليه المنع لم يكن فقط نموذج قرض ينمو بالاستغلال للحاجة و الفقر و يكون سبيلاً للاسترقاق الذي حرم بالدين أصلاً بنصوص واضحة ، و عجبت لإغفال العلة التي نص عليها في نفس الآية الكريمة و هي منع الظلم بأن يحصل الدائن على رأس ماله.
إلى هذا فقد اتفق وزير الأوقاف المصري الأسبق الدكتور عبد المنعم النمر عام 1989 مع هذه الرؤية المتقدمة كذلك و قال بأن الربا لا يشمل الأنشطة البنكية .
أقول: القول بأن علة التحريم هي: تثبيت الفوائد على المقترض لاستغلاله ، استدلال باطل أو على الأقل يعتريه نقص وعدم دقة لما سبق و أشرنا أنه كان يقع في عروض التجارة التي تنتفي فيها علة الاستغلال للحاجة و الفقر كسبيل لظلم أو استرقاق ، إنما القاعدة التي تشمل ذلك هي اشتراط النص القرآني للعدل ، و العدل ما ربط بقوله لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، إذن العلة أن ينتفي الظلم عن الدائن و المدين معاً ، و هذا ما سنحول أن نعالجه ، أي كيف ينتفي الظلم في تحديد مبلغ السداد وتتحقق القاعدة لا تظلمون ولا تظلمون؟
أحب أن أنوه أخيرا إلا أن اتجاه التحريم إنما شاع و فشي لدى المدرسة الوهابية و بخاصة إبان الاجتماع الأول لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة عام 1973 بعد الفورة النفطية و كان موضوعه الفوائد البنكية الثابتة و اسلمة النظام المالي ، وبعد هذا الاجتماع و خلال أقل من عقد انطلق أكثر من عشرين بنك إسلامي، يحرص الفقهاء المستفيدين بحكم وصايتهم عليها و التي نص عليها قانون توظيف الأموال للشركات الإسلامية و البنوك الإسلامية على ترويج رؤية التحريم و التشديد عليها، و بعض هؤلاء كان من مستشاري شركات توظيف الأموال في مصر التي نهبت أموال الناس وفرت بها و هم لا زالوا يتتلفزون و يعظون على المحطات الفضائية و يعتبرون مراجعا فقهية فيما ينبغي أن يقبعوا في خلف القضبان لأن الناس إنما أودعت أموالها لدى تلك الشركات ثقة بهؤلاء ، أو على نحو أدق ثقة بالعباءة الدينية التي يتلفحون بها.
مقاربة للإشكالية وفق قراءة الدكتور محمد شحرور المعاصرة
لماذا لم اربط بين هذه القراءة و النماذج التي سبقتها من آراء معاصرة؟
في الواقع إن النماذج التي سبقتها لم تخرج عن إطار المنهج التقليدي في مقاربة و فهم التنزيل الحكيم ، بمعنى أنها ظلت أسيرة القراءات الماضوية إن جاز لي التعبير ، و لعل في ما قاله اينشتاين أكبر معبر أمين عن ما اعنيه هنا و هو قوله :""إنه لمن الحماقة أن تعتقد أنك ستحصل على نتائج جديدة وأنت تكرر الشيء نفسه "
اثنان من الباحثين المعاصرين قاربوا المصحف بمحاولات معاصرة للفهم ، أقول معاصرة هنا و اعني تماماً بمنهاج معرفي معاصر أي بالأدوات المعرفية المتاحة للإنسان المعاصر و ليس عبر منهاج السلف ، هما الأستاذ الدكتور نصر حامد أبو زيد و الأستاذ الدكتور محمد شحرور ، استفاد الأول من نظرية نقد النص المعاصرة التأويلية أو الهرمنيوطيقيا في فهم النص و الثاني من ما اسماه الدكتور جعفر دك الباب بالمنهج التاريخي العلمي في الدراسات اللغوية الذي استنبطه بدوره من مدرسة أبي علي الفارسي رغم أن قراءتي لعمل الدكتور شحرور تفيد أيضا بأنه حاول أيضاً الاستفادة من منهج الجدل المادي و يتضح هذا جلياً بتصوري في مختلف مراحل قراءته و خاصة في تصوره لنظرية المعرفة القرآنية على وجه التحديد.
و الفارق الهام بين الدكتور نصر حامد أبو زيد و الدكتور محمد شحرور هو أن الأول للأسف البالغ لم يفعل منهجه القرائي حتى لحظة كتابة هذا البحث و اكتفى بالتنظير له (*) بينما كان عمل الدكتور شحرور مقروناً بقراءة تطبيقية لمنهجه في عمله الموسوعي الهام الكتاب و القرآن (17) ، و ما يعنينا في سياق بحثنا هذا هو تماماً قراءته و فهمه للربا في المصحف.
تظهر قراءة الدكتور شحرور على نحو دقيق في إطار نظريته في الحدود و تحديداً الحالة التي وضعها على النحو التالي : الحد الأعلى موجب مغلق لا يجوز تجاوزه، والحد الأدنى سالب يجوز تجاوزه (467-471) ، و رغم أن في اختصار فهم نظام مصرفي إسلامي على موضوعة الربا و الزكاة شيء من الإغفال المخل إلا أن النظرية هنا عند شحرور تبدو متماسكة في فهم الربا يقول :
" النظام المصرفي الإسلامي هو ما يلي :
1- لا يعطى مستحقو الزكاة و الصدقات قروضاً بل هبات دون مقابل.
2- يمكن في حالات معينة إعطاء قرض دون فائدة و هي معاملة الحد الأعلى لأصحاب الصدقات.
3- لا يوجد في النظام المصرفي الإسلامي قرض مفتوح الأجل قد تبلغ الفوائد فيه أكثر من ضعف المبلغ ، لذا فإن أجل القرض في المصارف الإسلامية كحد أعلى هو حتى تبلغ الفائدة ضعف المبلغ ، ففي هذه الحالة يجب أن يكون المبلغ مسدداً ، و في الحالات التي تبلغ فيها الفائدة أكثر من ضعف المبلغ الأصلي فيحق للمدين الامتناع عن دفع ما زاد عن الضعف.
هذه هي أسس النظام المصرفي الإسلامي"(470)
ملاحظات حول الرؤية الشحرورية :
أولاً : رغم اتفاقنا مع رؤيته في جانب الزكاة و الصدقات و القرض الحسن إلا أن هذه ليست من عمل المصارف ، و يفضل أن تأخذ حيز التطبيق في أطر مؤسسات غير ربحية ذات صفة اجتماعية خدمية ذلك أن المصارف هي مؤسسات عمل ربحي و ليس هذا النشاط من ضمن اختصاصها.
ثانياً: أن القراءة الشحرورية و إن كانت تطلق عنان البحث و تخضعه لشروط المعرفة المتاحة فهي تقصر في هذا الجانب عن توظيف النظريات العلمية النقدية ذ