نشر هذا المقال في مجلة أبواب العدد السابع عشر صيف ١٩٩٨ ص٩٩-١١٠. أنشره هنا تباعا.
محاولة في التعريف
مدرسة فرانكفورت
إبراهيم الحيدري
يحتفل عدد من أساتذة علم الاجتماع والفلسفة وتلامذتهم في ألمانيا بمرور ثلاثة أرباع القرن على تأسيس معهد البحث الاجتماعي في جامعة غوته بفرانكفورت، وقيام النظرية النقدية في علم الاجتماع التي اتخذت فيما بعد اسم مدرسة فرانكفورت وارتبطت باسمي ماكس هوركهايمر(١) وثيودور أدورنو(٢)، وتمثلت بعدد كبير من المفكرين الاجتماعيين الذين تنتمي الغالبية العظمى منهم إلى اليسار الأوروبي بعامة والألماني بخاصة. وهؤلاء سبقوا غيرهم في إثارة كثير من التساؤلات المعرفية التي تدعو إلى الشك، عن طريق نقدهم للفكر الفلسفي والاجتماعي التقليدي ورفضهم للنظام الاجتماعي الذي كان قائمًاآنذاك وكذلك أيديولوجيته. وكان أبرز ما ميزهم عن غيرهم من علماء الاجتماع هو انتقالهم من نقد المجتمع ومؤسساته إلى نقد الفكر وآلياته، في محاولة لصياغة نظرية نقدية للمجتمع. وقد أثارت أفكارهم النقدية اهتمام المثقف الأوروبي والأمريكي وحركت في الستينات الشباب والطلاب للقيام بحركات إصلاحية في الجامعات والمؤسسات العلمية وكذلك الاقتصادية والسياسية.
كانت النظرية النقدية محاولة جادة لإيجاد بديل نظري - نقدي واضح المعالم للوقوف أمام التيارات الفكرية التي مارست أنواعًا من السلطة، التي هدفت إلى تقويض طوعي في تاريخ الفلسفة أجبر النظرية على التراجع. وقد أكد هوركهايمر، بأن جدلية النظرية والممارسة يجب أن تكون داخلية حتى لو تنكرت النظرية للمحيط التي تتحرك فيه، وأن تتفتح على الجانب التطبيقى لكل فهم ذاتي وفي لحظة تشكيل المصلحة، ولكن يجب أن تستغني عن النظرية، في الوقت ذاته، عن المماثلة والأحكام القاطعة التي تثير المصالح أو ترتبط بها، كما عليها أن تستغني عن كل وساطة، لأن قيمة أية نظرية نقدية للمجتمع لا تتقرر بالفصل الشكلي للحقيقة، وإنما الشروع في لحظة تاريخية معينة بالقيام بواجبها تجاه القوى الاجتماعية، وأن اتخاذ مثل هذا الموقف إنما يهدف في الأساس، إلى توجيه المعرفة الذاتية نحو المجتمع ونحو مصلحة عقلانية وإيجابية(٣).
تطورت النظرية النقدية كفلسفة اجتماعية لنقد المجتمع وتعيرته من خلال نقد النظام الاجتماعي القائم وكشف جوانب الخلل فيه ورفضه إذا كان سلبيًا، وبمعنى آخر، تعرية المجتمع الصناعي وعقلانيته التكنولوجية وما يرتبط بها من أيديولوجية، لأن نقد المجتمع هو في الوقت ذاته، نقد ذاتي للأفكار التي تصدر عنه. وقد أخذت النظرية النقدية في مسارها الطويل اتجاهات فكرية مختلفة، بسبب الخلفيات الاجتماعية لروادها واهتماماتهم التي ارتبطت بأفكار عصر الأنوار، من مثالية كانظ وهيغل حتى تأويلية ماكس فيبر وفينومينولوجية هوسرل. ومع ذلك، فإن هناك ما يجمع بينهم، مع اختلافاتهم، وهو نقدهم للمجتمع الصناعي الشمولي وما يفرزه من تناقضات، وبخاصة ثقافة البورجوازية. غير أن أهم العوامل التي دفعت إلى نشوء وتطور النظرية النقدية، التي تحتلف تماما عما كان سائدًا في الجامعات الألمانية التقليدية، هو ماتركته الحرب العالمية الأولى من آثار اجتماعية واقتصادية وما خلفته من تدمير وخراب، وما تبعهما من أزمات حادة. كما أن قيام الثورة البولشفية عام ١٩١٧ وتأسيس أول دولة اشتراكية في أوروبا وكذلك قيام جمهورية فايمار عام ١٩١٩ في ألمانيا وما تبعها من صراعات وانقسامات سياسية في صفوف اليسار الأوروبي، كانت قد خلقت موقفا ثالثًا كان أساسًا لتشكيل فكر نقدي جديد يدور حول تفسير ماركس للعلاقة بين النظرية والممارسة وتطوير معيار جديد يطعم الممارسة بإدراك نظري، ولكن من منطلق نقدي يوحد جدليًا النظرية بالممارسة العملية بحيث يصبح النقد هدفًا لكل فعالية ثورية. كما أن فشل الحركات العمالية في أوروبا وتحولها عن أهدافها الطبقية كان عاملًا آخر قاد إلى صعود النازية في ألمانيا.
هذه العوامل وغيرها كونت إشكالية قامت على المسرح السياسي والفكري وشكلت «لعبة مأساوية» على حد تعبير ماكس هوركهايمر، دفعت بدورها إلى تجميع «اليسار الجديد» في أوروبا، مثل أجدادهم «الهيغليين الشباب» لمعالجة المشاكل العميقة التي واجهتهم وإلى عقد ندوة «إحياء الماركسية» عام ١٩٢٢ التي شارك فيها كبار الفلاسفة وعلماء الاجتماع، كان بينهم لوكاش، كورش، فيتفوغل وغيرهم، وترافقت مع صدور كتاب «التاريخ والوعي الطبقي» الذي أثار فيه لوكاش سجالًا واسعًا بسبب نقده للديالكتيك المادي لإنغلز. والسجالات الفكرية تلك أثرت بدورها على تطور النظرية النقدية ودفعت بالتالي إلى تأسيس معهد للبحث الاجتماعي في جامعة فرانكفورت الذي كان من أهدافه مواصلة النقاش والبحث، والدعوة إلى نظرية نقدية للمجتمع التي من الممكن أن تقف أمام النظريات الاجتماعية التقليدية التي ما زالت تسيطر على الفكر الاجتماعي في الجامعات الألمانية. وفي الحقيقة، فإن الأثر المباشر الذي أحدثته النظرية النقدية آنذاك هو انشقاق في صفوف اليسار الأوروبي المثقف في شرق ووسط أوروبا وبخاصة في موقفهم من الماركسية التقليدية(٤).
وكان هوركهايمر قد أرّخ تأسيس المعهد بقوله «وقد توحدت الاهتمامات والقناعات لبناء نظرية نقدية للمجتمع، لأنهم وجدوا أن من الضروري التعبير عن كل ما هو سلبي... وأن أهم ما وحّدهم هو اتفاقهم على نقدهم للمجتمع القاتم»(٥).
وفي تنصيب هوركهايمر رئيسا لمعهد البحث الاجتماعي عام ١٩٣٠ أخذ اسم النظرية النقدية بالظهور وارتبط بمدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع، وخاصة بعد نقد هوركهايمر لـ«المركزية البولشفية» ووقوفه ضد اغتيال روزا لوكسمبورغ وتعيين تيودور أدرونو أستاذًا مساعدًا في المعهد. وبتعاون هوركهايمر وأدورنو وزملائهم صدرت «مجلة البحث الاجتماعي» التي عبرت في بحوثها عن رؤية نقدية جديدة، ظهرت في افتتاحية العدد الأول التي كتبها هوركهايمر عن «أزمة العلم» التي لا تنفصل عن أزمة المجتمع والتطور الاجتماعي في أوروبا، والتي بدورها قيّدت العلم. فالعلم هو وسيلة لإنتاج المعرفة، وهو، في الوقت ذاته، قوة منتجة، غير أنه لم تُدرك بعد وظيفته الاجتماعية ولذلك فهو يعكس تناقضات المجتمع الصناعي. كما عالج هوركهايمر التشتت المعتاد للعلم والعلاقات الاجتماعية التي قادت إلى تقتيته. وعلى العلم، بالتالي، إدراك كل شروط المعرفة حتى يستطيع تذليل الأزمة مثلما عليه عدم ترك دوره الاجتماعي المطلوب. وحالما يكون العلم واعيًا لوظيفته وبوضعه المتأزم فإنه يستطيع أن يطالب القوى الاجتماعية بضرورة تحريكه. أما أدورنو فقد كتب «أسس علم اجتماع الموسيقى»، وأريك فروم «الماركسية والتحليل النفسي»، ولوفينتال «واجبات علم اجتماع الأدب»(٦). وهكذا عكس المجلد الأول مرحلة جديدة في علم الاجتماع الألماني واتجاهًا ينحو إلى الاهتمام بالتحليل والنقد السوسيولوجي والنفسي والفلسفي، مثلما عالجت المجلة في الأعداد التي تلت أوضاع الطبقة العاملة في ألمانيا والدول الأوروبية الأخرى. وفي هذا الوقت تأسس للمعهد فرع في جنيف كانت مهمته جمع المعلومات والإحصائيات اللازمة حول الطبقة العاملة، وكذلك إقامة علاقات وثيقة مع منظمة العمل الدولية والتوجه نحو البحوث الاجتماعية الأمبيريقية.
وفي عام ١٩٣٢ التحق بالمعهد هربرت ماركوزه(٧)، الذي ساعد على تحريك النشاط العلمي والسياسي في المعهد، وأصبحت أفكاره فيما بعد رموزًا وشعارات لحركات الطلاب والشباب في نهاية الستينات، كما التحق كارل منهايم(٨) ويورغن هبرماس(٩) فيما بعد، وكذلك أريك فروم(١٠). واضطرت سيطرة النازية على السلطة في ألمانيا وصعود هتلر إلى الحكم عام ١٩٣٣، هوركهايمر وزملاءه إلى الهرب إلى سويسرا وفرنسا ومن ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت الذي صدرت الأوامر بإغلاق للمعهد ومصادرة مكتبته القيمة، أسس هوركهايمر وزملاءه فروعًا أخرى للمعهد في كل من باريس ولندن، ثم في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة. غير أن الوضع السياسي في أميركا جعل هوركهايمر وأدورنو ورفاقهم يتجنبون استخدام المفاهيم الراديكالية وذلك بسبب حساسية السياسة الأميركية وموقفها من الاتحاد السوفييتي، وكذلك بسبب فقدانه الثقة بالطبقة العاملة في أوروبا وبالبروليتاريا وبالماركسيين الذين أصبحوا تقليديين، مما جعلهم يضعون أنفسهم فوق أي حزب. وقد أشار هوركهايمر إلى أن تحليل الأنظمة السياسية كان قد علمهم، مثلما قال أدورنو مرة، «بأن من الضروري أن لا نطالب بالتفكير في المطلق، وأن نلتزم بلا حدود في الدعوة الملحة من أجل الحقيقة»(١١).
النظرية النقدية فلسفة للمجتمع
تطورت النظرية النقدية إلى فلسفة اجتماعية كما في عصر الأنوار من أجل توحيد الفكر النقدي السلبي، مرة أخرى، مع فلسفة اجتماعية تحرر نفسها من أي ادعاء تسلطي أو طوباوي، وأن يكون موضوعها ليس الخير، بقدر ما هو الشر والبؤس، لأنها تفترض إعادة إنتاج الحياة بأشكال أخرى خاصة جوهرها الحرية. وبهذا تتحول النظرية النقدية إلى فلسفة تعلو على الفلسفة التقليدية والوضعية لتدرس الضعف الإنساني والعنف السياسي والسيرورات الاجتماعية المفارقة ومن ضمنها عفوية الجماهير. وإذا أرادت النظرية النقدية أن تفصح عن نفسها فإنها تدعي القول بأنها تمتلك «نظرية عن الحقيقة» التي تجدها في نقدها المستمر للمجتمع الصناعي، ذلك النقد الذي تجابه به دعاوى الأيديولوجية البورجوازية التي عكست وضعية النظام الكلي، الذي تميز بالتناقض وعكس سوء التنسيق وعدم التناسب في تزييفها ومعاداتها لمبادئ حقوق الإنسان في الحرية والإخاء والمساواة التي نادت بها فلسفة الأنوار، حيث ما زالت حرية الفرد قصيرة، بل مقهورة.
لقد نمت النظرية النقدية من خلال النفور من أي نظام فلسفي محكم يقوم على الأحكام القاطعة واليقين المطلق، ومع أنها لا تدعي الكمال، غير أنها تؤكد على اختلاف وجهات نظرها وموقعها وكذلك مفاهيمها عن النظريات الأخرى. فهي نظرية فضولية تعالج مواضيع مختلفة، ولكن بروح نقدية، ولذلك تقف من الفلسفة التقليدية موقفا معارضًا، «وبما أن العلم والمعرفة وسيلة قبل كل شيء، فإن هدفها هو تنوير البشر لأنهم المنتجون الوحيدون والحقيقيون لأشكال المعرفة الإنسانية، لذا يجب أن لا يقعوا ضحية لها، ومن هنا يجب تغيير الواقع بالضرورة»(١٢).
ومثلما توجه النظرية النقدية الفكر توجه السلوك الإنساني أيضا توجيهًا عقلانيًا، لذا تقف النظرية مقابل التجربة والممارسة، ويكون النقد أكثر عمقا واتساعا بوصفه نقدًا للفكر من جهة وللممارسة من جهة أخرى، وفكرًا معارضًا وجدليًا من جهة ثالثة. وهو ما يؤدي إلى اتخاذ قرار واضح من المعرفة، صحيحة كانت أم خاطئة، وبالتالي قبولها أو دحضها، كما أن المحرك الأساس للنقد هو الشك في الحقيقة الجزئية والكلية. والشك، هو في الوقت ذاته، يعكس معرفة أخرى، وقد أكدت النظرية النقدية على وجوب أن يكون النقد داخليًا ويتجه إلى المحتوى، وليس نقدًا شكليًا ينظر إلى الأشياء في الخارج. وبمعنى آخر، فإن النقد الداخلي يجب أن يتجه دومًا إلى الربط الجدلي بين المصلحة والمعرفة، ومن هنا تأتي أهمية الربط الجدلي في اتخاذ موقف رفض ثابت من تلك المعرفة، وهو ما يشكل نواة النظرية النقدية(١٣).
لقد تطورت النظرية النقدية كفلسفة اجتماعية واتخذت في مسارها التطوري اتجاهات مختلفة نسبيًا، غير أنها تلتقي جميعًا في نقدها للمجتمع الصناعي ورفضها الثقافة البورجوازية السائدة. وكان هوركهايمر قد وضع اللبنات الأولى لهذه النظرية التي كان من أهدافها الأساسية أن تكون مفارقة منذ البداية للنظريات الاجتماعية والفلسفية التي سادت في أوروبا، وأن تسعى لتوحيد النظرية بالممارسة، وبمعنى أدق نظرية نقدية للمجتمع، نظرية لا تكون علمًا، وعلمًا إمبيريقيًا فحسب، بل ينبغي لها أن تسعى لتحقيق ما دعت إليه الطبقة الوسطى في حق الحرية والصراع الاجتماعي والقضاء على الظلم، وأن تنزل بالأفكار النظرية إلى مستوى الممارسة العملية. قال هوركهايمر: «على الفكر النقدي أن يكون ليبراليًا وغير ليبرالي في آن، وعلى المرء أن لا يخجل من الصراع الاجتماعي، لأن الفكر هو ليبرالي في طبيعته ولا يستطيع أن يتحمل ضغطا أو قوة خارجية، وفي الوقت ذاته، أن لا يقبل أي مهادنة مع أية سلطة ما دام يهدف إلى الاستقلالية وإلى سلطة الإنسان على حياته الذاتية، مثلما هي على الطبيعة، وأن يسعى إلى تحقيق هذا الاتجاه ويجعل منه قوة مؤثرة»(١٤). كما سعت النظرية النقدية إلى أن يكون العمل من أجل تحسين وتطوير الوضعية الاجتماعية واحترامها، بحيث يكون الإنسان فيها محترمًا وكذلك الحرية الأخلاقية للفرد التي تحطمت بفعل البؤس والظلم والخوف، ليس من أجل إعادتها فحسب، بل تحقيقها في الممارسة العملية بشكل أفضل(١٥).
كان هدف مدرسة فرانكفورت، إذن، دراسة العلاقات الاجتماعية والفلسفية المعقدة في النظريات الاجتماعية التقليدية والماركسية وكذلك في الحركات العمالية. وقد أخذ هوركهايمر على الماركسيين اتجاههم في صياغتهم للمادية ورفعها إلى نظرية للمعرفة تدعي اليقين المطلق، مثل الفلسفة المثالية؛ كما انتقد المنظرين الاجتماعيين الذي وضعوا ثقلهم في عامل واحد وأبعدوا العوامل الأخرى المؤثرة، وهو خطأ منهجي قام به الماركسيون التقليديون حيث أكدوا على البناء المادي دون غيره. كما انطلق أعضاء مدرسة فرانكفورت من رغبتهم في جعل الماركسية وسيلة نقد ثورية، وليس مجرد تصوّر عام وشمولي. ولذلك وجد الماركسيون أمامهم صعوبات جمة، لأنهم لم يستندوا على ممارسة سياسية تحررية لتوجيه طاقات البروليتاريا، ولا على ممارسة جماعية يمكن أن تهيء للتمسك بممارسة سياسية ثورية، أو تخلق على الأقل شروطًا تتجاوز الإنتاج الفكري الأسطوري. وعلى هذا الأساس رفضت مدرسة فرانكفورت ضرورة وضع شرح مفصل ونهائي للإنسان الاشتراكي، وبخاصة لمفهوم العمل والعمل المستلب في المجتمع الرأسمالي، الذي هو مشكلة له أهمية كبيرة لا يمكن إغفالها باعتبارها مفهومًا مركزيًا، حيث كتب هوركهايمر «إن العمل كأسمى مفهوم للنشاط الاجتماعي، هو أيديولوجية زاهدة. وفي الوقت الذي يحتفظ الاشتراكيون بمحتوى هذا المفهوم، يجعلون من أنفسهم دعاة للرأسمالية»(١٦).
هذا المعني نفسه جاء عند فالتر بنيامين وأدورنو. فالماركسية التقليدية اعتبرت مفهوم العمل مجرد تقدم للسيطرة على الطبيعة وليس كنكوص اجتماعي محتمل، على ما ظهر في الأساليب التكنوقراطية التي عاشها المرء في ظل الفاشية والنازية، لأن العمل، في الحقيقة، يتعدى استغلال الطبيعة إلى استغلال الإنسان نفسه. وقد علق أدورنو على هذه المقولة «وكأن ماركس أراد تحويل العالم كله إلى معمل جبار»(١٧).
من هذا المنطلق رفض أعضاء مدرسة فرانكفورت «وثنية العمل» وأعطوه بعدًا جديدًا.
أما أدورنو، فقد بدأ، مثل هوركهايمر منطلقًا نقديًا حين أخذ بتحليل الأسباب التي أدت إلى إخفاق الثورات في أوروبا، غير أنه تحول بعد ذلك إلى دراسة الفلسفة وعلم اجتماع الجمال ليكافح الأيديولوجية النازية وأشكالها التطبيقية التي غذتها وطورتها لمد هيمنتها الشمولية على المجتمع.
بدأ أدورنو هجومه ضد الفلسفة التقليدية الراهنة والمفرغة من وظيفتها ودورها الثوريين. فالفلسفة، كما يراها أدورنو، تحولت إلى أيديولوجية فوقية هي امتداد لأنظمة مثالية تجسدت في أفكار مدرسة ماربورغ الفلسفية والوجودية الهايدغرية والفلسفة الوضعية، تلك الاتجاهات الفلسفية التي كانت موضع نقده، والتي جعلت الإنسان محاصرًا بتناقضات الذات والهوية، ودفعته لدراسة وضعية الفرد المتأزمة وإشكالية وعيه، في محاولة لإخراج الفلسفة من فوقيتها وطرح نموذج من التحليل المادي الذي هو انعكاس سلبي لمواجهة الفلسفة الوجودية الألمانية الممنهجة، التي وقفت على رأسها وجودية هايدغر الأنطولوجية وكذلك وجودية ياسبرز وبوبر.
وكان أهم ما كتبه أدورنو في نقد الفلسفة الوجودية كتابه حول كيركغارد عام ١٩٣١. والكتاب لم يحظ بالاهتمام اللازم في حينه، بسبب عدم مهادنته وصعوبة فهمه وتعقد أسلوبه ودعاويه الكثيرة وبقائه في الظل، لأنه «شؤم سياسي» كما عبر عنه أدورنو نفسه(١٨)، غير أن أدورنو اتخذ له فيما بعد مكانة معتبرة، بعد أن أخذ يعالج مواضيع مختلفة ترتبط بالنظرية النقدية وتعكس اتجاهًا خاصًأ ومتميزًا نحو فلسفة للفن. فقد فهم علم الجمال، على أنه أكثر من نظرية في الفن، وأنه مثلما عند هيغل نوع خاص من العلاقة بين الذات والموضع. وخلال إقامته في منفاه في أكسفورد كتب أدورنو حول فلسفة هوسرل، وانتقد أفكاره الفلسفية ونظرية المعرفة لديه.
وفي الواقع كان المنفى بالنسبة لأدورنو عامل تلقيح وإغناء لأفكار النقدية، بعد أن عايش مفارقات المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي في قمة تطبيقاته العملية، وخلق عنده امتدادات جديدة أوغلته في تحليل نقدي لطبيعة المجتمع وطبيعة الفن ومكانته في مجتمع وصل إلى مرحلة متقدمة من الاستهلاك، وربط بين الإنتاج الفني بجميع أشكاله ومظاهره ومحتوياته وبين وسائل الدعاية والإعلان والدور الاقتصادي المهيمن الذي لعبته على أجهزة الاستهلاك الجماهيرية، ووصل إلى حقيقة دعاها «الثقافة المصنعة»، بحكم أن الإنتاج الثقافي والفني هو نتاج المجتمع الصناعي - التقني المتقدم الذي تغدو فيه الثقافة آلية مستوعبة تمثل الواقع الصناعي المغترب وفكره التخديري المتمثل بثقافة جماهيرية استهلاكية عامة تشبع حاجة جماعية وكوسيلة هيمنة للدولة ومؤسساتها.
(يتبع)