{myadvertisements[zone_1]}
 
تقييم الموضوع:
  • 0 صوت - 0 بمعدل
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
كتاب.. "النبي والبروليتاريا"- بقلم: كريس هارمن
روزا لوكسمبرج غير متصل
عضو رائد
*****

المشاركات: 825
الانضمام: May 2003
مشاركة: #2
كتاب.. "النبي والبروليتاريا"- بقلم: كريس هارمن
تناقضات الحركة الاسلامية فى مصر:

تعبر الطبيعة المتناقضة للحركة الاسلامية عن نفسها فى الطريقة التى تفهم بها تطبيق "العودة الى القرآن". فمن الممكن أن ترى ذلك من خلال اصلاح ‘ قيم ‘ المجتمع القائم، قاصدة ببساطة العودة الى الممارسات الدينية، بينما تترك الأبنية الرئيسية للمجتمع كما هى. أو من الممكن أن تعنى الاطاحة الثورية بالمجتمع القائم. ويمكن ملاحظة هذا التناقض فى تاريخ كل من الأخوان المسلمين الأوائل فى مصر فى الثلاثينات والأربعينات والخمسينات وفى الحركة الاسلامية الراديكالية الجديدة فى السبعينات والثمانينات والتسعينات.
تزايد نمو الأخوان المسلمين بسرعة فى الثلاثينات والأربعينات حيث جذبت مؤيديها من أولئك الذين زال عنهم الوهم بعد المساومات التى قام بها حزب الوفد الوطنى البرجوازى مع البريطانيين، كما راينا. وقد ساعدها على ذلك تحول اليسار الشيوعى الواقع تحت تأثير ستالين، والذى وصل الى حد تأييد الوجود الاسرائيلى. ومن خلال تجنيد المتطوعين للحرب فى فلسطين وضد الاحتلال البريطانى لمنطقة القنال المصرية، بدا الأخوان الملمون أنهم يدعمون الصراع ضد الامبريالية. ولكن بمجرد أن وصل نفوذ الأخوان الى أقصى درجة له، بدأت الدخول بسرعة فى المتاعب. فقد بنت قيادتهانفسها على مجموعة من القوى - أى تجنيد جمهور شباب البرجوازية الصغيرة، وعلاقات مع القصر، وصفقات مع الجناح اليمينى من الوفد، ومؤمرات مع صغار الضباط فى القوات المسلحة - والذين كانوا أنفسهم يتحركون فى اتجاهات مختلفة.
وحيث مزقت الاضرابات والمظاهرات والاغتيالات، والهزيمة العسكرية فى فلسطين، وحرب العصابات فى منطقة القنال، المجتمع المصرى، كذلك كانت الاخوان المسلمون نفسها عرضة للتحلل. فكان كثير من أعضائها مستائين من السلوك الشخصى للسكرتير العام، زوج أخت البنا عابدين. وأدان البنا نفسه أعضاء الاخوان الذين اغتالوا نقراشى، رئيس الوزراء. وبعد موت البنا فى 1949 فوجئ تابعه " كمرشد عام للجماعة" عند اكتشافه لوجود قطاع ارهابى سرى. وأدى استحواذ العسكريين على السلطة بقيادة عبد الناصر فى 52-1954 الى انقسام جوهرى بي أولئك الذين أيدوا الانقلاب وأولئك الذين عارضوه حتى انتهت الجماعات المتصارعة أخيرا فى الاخوان الى العراك المباشر للسيطرة على مكاتبها. ومكن " افتقاد الثقة الكبير فى القيادة " عبد الناصر أخيرا من تحطيم المنظمة التى كانت يوما ما تشكل قوة هائلة.
ولكن افتقاد الثقة لم يكن صدفة. فقد نتج عن انقسامات لا يمكن تخطيها والتى كانت حتمية الظهور فى حركة برجوازية صغيرة مع زيادة عمق الأزمة فى المجتمع. فمن ناحية، كان هناك من يتبنون وجهة نظر تدعو الى استغلال الأزمة لاجبار الطبقات الحاكمة القديمة لعمل صفقة معهم لفرض " القيم الاسلامية " ( كان البنا نفسه يحلم بالاشتراك مع الملكية بتأسيس " خلافة جديدة " وفى أحد المناسبات أيد الحكومة فى مقابل وعدها باحكام قبضتها على استهلاك الخمور وعلى الدعارة )؛ ومن ناحية أخرى، كان هناك أعضاء من البرجواززية الصغيرة الراديكالية الذين يرغبون فى تغيير اجتماعى حقيقى، ولكنهم يفهمون أن امكانية تحقيق ذلك فقط تكون من خلال الصراع الفورى المسلح.
استمرت نفس التناقضات تتخلل الحركة الاسلامية فى مصر اليوم. بدأ الأخوان المسلمون الجدد فى العمل بصورة شبه شرعية حول مجلة الدعوة فى أواخر الستينات، مديرة ظهرها الى أى وجهة نظر تدعو للاطاحة بالنظام المصرى. وبدلا من ذلك حددت هدفها فى اصلاح المجتمع المصرى نحو الخط الاسلامى بواسطة الضغط من الداخل. ويجب أن تكون المهمة، كما وضعها المرشد العام للاخوان فى كتاب له من السجن أن يكونوا " دعاة لا قضاة ". كان ذلك يعنى فى الممارسة تبنى اتجاه " اصلاح اسلامى "، والسعى للوقوف بجانب نظام السادات. وفى المقابل استخدم النظام الاسلاميين للتعامل مع أولئك الذين اعتبرتهم فى ذلك الوقت أعدائها الرئيسيين - أى اليسار: " تعامل النظام بحماس مع الجناح الاصلاحى من الحركات الاسلامية - متجمعا حول مجلته الشهرية " الدعوة " وفى أحواش الجامعات من خلال الجمعيات الاسلامية - حيث طهر الاسلاميون الجامعات من أى شئ فيه رائحة الناصرية أو الشيوعية ".
اختزت مصر كلها بموجة من الاضرابات والمظاهرات وأعمال العنف فى 13 محافظة فى يناير 1977، ردا على زيادة الدولة لاسعار الخبز وسلع استهلاكية ضرورية أخرى. كانت هذه أكبر انتفاضة فى البلاد منذ ثورة 1919 الوطنية ضد البريطانيين. أدانت كل من الجمعيات الاسلامية والاخوان المسلمون الانتفاضة وأرسلوا خطابات تأييد للدولة ضد ما أسموه " مؤامرة شيوعية ".
فالأهم بالنسبة لهذه " الاصلاحية " الاسلامية هو تغيير أخلاقيات المجتمع، بدلا من تغيير المجتمع نفسه. وليس الأهم هو اعادة بناء المجتمع الاسلامى ( الأمة ) من خلال تحويل المجتمع، ولكن فرض أشكال معينة من السلوك داخل المجتمع القائم. وعدوها ليس الدولة أو " الطغاة " المحليين، ولكن قوى خارجية يعتقدون أنها تقضى على القيم الدينية - وهى فى نظر "الدعوة " " اليهودية والصليبية " ( أى المسحيين بما فيهم الاقباط ) و" الشيوعية " و" العلمانية ". ويتضمن الجهاد للتعامل مع هؤلاء صراعا لفرض الشريعة ( النظام التشريعى الذى يحدده الفقهاء الملمون من القرآن والتراث الاسلامى ). فهى معركة لدفع الدولة الحالية الى فرض شكل معين من الثقافة على المجتمع، بدلا من كونها معركة للاطاحة بالدولة.
هذا المفهوم يتفق جيدا مع رغبات الطبقات الاجتماعية التقليدية الذين يؤيدون نموذجا معينا من الحركة الاسلامية ( بقايا طبقة ملاك الأراضى القديمة والتجار )، ومع أولئك الذين كانوا يوما ما شباب اسلامى راديكالى ولكنهم استقروا الآن ( بسبب الثراء فى السعودية أو الترقى الى مواقع مريحة داخل مهنيي الطبقة الوسطى ) ومع أولئك الاسلاميين الراديكاليين الذين يئسوا من التغيير الاجتماعى الراديكالى عندما ووجهوا باضطهاد الدولة لهم.
ولكنه لا يتناسب على الاطلاق مع التطلعات العنيفة لجماهير الطلاب والخريجين الفقراء، أو مع جماهير الفلاحين السابقين الذين يختلطون بالاجزاء الفقيرة فى المدن. فينجذبون بسهولة الى رؤى أكثر راديكالية بكثير"لمعنى العودة الى القرآن" - رؤى لا تهاجم فقط الآثار الغربية على الدول الاسلامية الحالية، بل أيضا تهاجم هذه الدول نفسها.
هكذا، يعد كتاب " علامات فى الطريق " من النصوص الاساسية للاسلاميين فى مصر، كتبه أحد أعضاء الأخوان المسلمين أعدمه عبد الناصر فى 1966 وهو سيد قطب. لم يهاجم هذا الكتاب فقط افلاس الايديولوجيات الغربية والستالينية، ولكنه أيضا يؤكد أن الدولة يمكن أن تدعو نفسها اسلامية وتظل تعتمد على بربرية معادية للاسلام ( الجاهلية، الاسم الذى يطلقة الملمون على مجتمعات ما قبل الاسلام فى الجزيرة العربية ).
هذه الاوضاع يمكن تصحيحها فقط بواسطة " طليعة الامة " التى تقوم بثورة من خلال اتباع مثال "الرعيل الاول من المسلمين" - وهو الانسحاب من المجتمع القائم كما فعل محمد عندما هاجر من مكة من أجل بناء قوة قادرة على الاطاحة به. ذهبت وجهات النظر هذه الى أبعد من اعتبار الامبريالية العدو الأوحد، وبدلا من ذلك، هاجمت للمرة الأولى الدولة المحلية مباشرة. وقد أربكت المعتدلين من الاخوان المسلمين الجدد، الذين يفترض أنهم يقدرون مؤلفهم كشهيد. ولكنها شجعت آلاف عديدة من الراديكاليين الشباب. هكذا فى منتصف السبعينات أعدمت احدى الجماعات، التكفير والهجرة التى يقودها شكرى مصطفى بسبب اختطافها أحد موظفى الأوقاف فى 1977، التى ترفض المجتمع الحالى كمجتمع " غيراسلامى "، وكذلك المساجد الحالية، والدعاة الدينيين الحاليين، وحتى الأخوان المسلمين الجدد المرتبطين " بالدعوة ". وكانت تعتبر أن أعضاءها فقط هم المسلمون الحقيقيون ويجب يجب عليهم الانفصال عن المجتمع القائم، والعيش فى تجمعات منفصلة والتعامل مع الآخرين ككفار.

فى البداية كانت الجمعيات الاسلامية فى الجامعات واقعة تحت تأثير الأخوان المسلمين المعتدلين، ولم يدينوا فقط الانتفاضة ضد زيادة الأسعار وانما قاموا أيضا بالتعتيم على اعدام شكرى بعد ذلك فى نفس السنة. ولكن بدأت توجهاتهم فى التحول، خاصة عندما بدأ السادات " عملية السلام " مع اسرائيل فى اواخر 1977. وفورا تبنى كثير من مناضلى الجامعة أفكارا أكثر راديكالية فى بعض جوانبها من أفكار شكرى: فلم ينفصلوا فقط عن المجتمع القائم، بل بدأوا فى التنظيم للاطاحة به، مثل اغتيال جماعة الجهاد بقيادة عبد السلام فراج للسادات فى أكتوبر 1981.
وجه فراج انتقاداته العنيفة بوضوح لاستراتيجيات أحزاء مختلفة من الحركة الاسلامية - تلك القطاعات التى قصرت نفسها على العمل فى المجالات الخيرية الاسلامية، هؤلاء ( أى الأخوان المسلمون الجدد ) الذين يحاولون بناء الحزب الاسلامى الذى يمكنه فقط أن يضفى الشرعية على الدولة القائمة، والذين يعتمدون على الدعوة ولذلك يتجنبون الجهاد، وهؤلاء الذين يدافعون عن الانسحاب من المجتمع حسب اتجاهات جماعة شكرى، وكذلك الذين يرون أولوية الجهاد ضد الأعداء الخارجيين للاسلام ( فى فلسطين وأفغانستان ). وأصر على الصراع الفورى المسلح ضد كل هؤلاء، ان "الجهاد ضد الطاغية" واجل كل المسلمين:
" ان الجهاد ضد العدو فى الداخل أولى من الجهاد ضد العدو فى الخارج... فمسئولية وجود الاستعمار أو الامبريالية فى بلادنا الاسلامية تقع على هذه الحكومات الكافرة. ولذلك يكون الصراع ضد الامبريالية عبثيا وغير مشرف، بل مضيعة للوقت".
أدت وجهة نظر فراج مباشرة الى رؤية للتمرد ضد الدولة. ولكن لم يقض هذا على الاختلافات الهامة داخل مجموعته بين قطاع القاهرة، الذى تشكل حول الهدف الأساسى لاسقاط الدولة الكافرة، والقطاع الآخر فى أسيوط، الذى " اعتبر التنصير المسيحى للمسلمين العقبة الرئيسية أمام انتشار الاسلام ".
كان هذا يعنى فى الممارسة أن توجه مجموعة أسيوط معظم نيرانها ضد الأقلية القبطية ( وغالبيتهم من فقراء الفلاحين ) - السياسة التى كان طلاب الجامعة قد اتبعوها فعلا بنجاح مذهل فى أوائل العام الدراسى، عندما أشعلت حربا أهلية طاحنة بداية فى وسط مصر فى المنيا، وبعد ذلك فى القاهرة فى الزاوية الحمراء:"لم تتردد الجماعة فى اشعال نيران العنف الطائفى حتى تضع الدولة فى موقف حرج وتبين أنها مستعدة للحلول محل الدولة، ولنقل، خطوة خطوة.
كنت جماعة الجهاد فى أسيوط اذن تتبع سياسة مجربة وناجحة لكسب تأييد شعبى محلى من خلال اثارة الأحقاد الطائفية. مكنها ذلك بسرعة من السيطرة على أسيوط فى أعقاب اغتيال السادات. وعلى العكس، لم يفز مناضلى القاهرة، باصرارهم أن الدولة هى العدو، بشكبات متضامنة أو مغذية، وحركتهم المنعزلة - أى اغتيال السادات - لم يتبعها انتفاضة السكان المسلمين فى القاهرة التى سعى اليها بعنف فراج وأصدقاؤه..
وبدلا من أن يؤدى الاغتيال الى تمكين الاسلاميين من الاستحواذ على سلطة الدولة، استطاعت الدولة استغلال فرصة التخبط الناتج عن الاغتيال للقضاء على الاسلاميين. وبسبب القبض على الآلاف واعدام كثير من القادة، أدى القمع الى اضعاف الحركة بصورة هائلة. وبرغم ذلك، لم تنتهى الأسباب التى دفعت كثير من الشباب الى التوجه نحو الاسلاميين. فمع نهاية الثمانينات استردت الحركة ثقتها وبدأت فى النمو السريع فى بعض مناطق القاهرة والاسكندرية. وكان ذلك مصحوبا بحملة ارهابية قوية ضد البوليس وقوات الأمن.
بعد ذلك فى ديسمبر 1992، قامت الدولة بحملة جديدة غير مسبوقة من القمع. واحتلت الأحياء العشوائية فى القاهرة، مثل امبابة، بعشرين ألف جندى بالدبابات والعربات المدرعة. وقبضت على عشرات الآلاف ونظمت عصابات لقتل الهاربين من المناضلين الاسلاميين. وأغلقت أهم المساجد التى يستخدمها المسلمون الراديكاليون بالأسمنت. وقبضت على آباء وأطفال وزوجات المناضلين وعذبتهم.
ومرة ثانية كما حدث فى الثمانينات، نجحت حملة الارهاب التى قامت بها الدولة. ولم تكن الحركة الاسلامية قادرة على، ولا حتى حاولت، تحريك تأييد حماهيرى فى شكل مظاهرات. وبدلا من ذلك، اندفعت فى استراتيجية ارهابية تماما لم تهز استقرار نظام مبارك بجدية، حتى وان كانت قد دمرت فعليا صناعة السياحة.
فى نفس الوقت، استمر الاخوان المسلمون فى التصرف كمعارضة موالية، والتفاوض مع النظام على التطبيق التدريجى للشريعة فى قوانين الدولة، والاحجام عن التمرد ضد القمع.


تناقضات الحركة الاسلامية فى الجزائر:

ان قصة صعود وثورية الحركة الاسلامية فى الجزائر مشابهة من زوايا عديدة لتلك فى مصر. فقد شجع الديكتاتور الجزائرى بومدين فى أواخر الستيات و1970 الحركة الاسلامية المعتدلة لمواجهة اليسار معارضيه القدماء داخل حركة التحرير التى أنهت الاستعمار الفرنسى.
فى 1970 بادرت الدولة بحملة اسلامية بقيادة مولود قاسم، وزير الدين والتعليم، التى استنكرت "انحطاط الأخلاق" و" التأثير الغربى" وراء " الانفتاحية " و" شرب الخمور " و" الاحساس بالدونية الذى يتمثل فى اتباع الغرب دائما والملابس النصف عارية ". استطاع الاسلاميون استغلال هذه الحملة لزيادة نفوذهم الخاص، حاصلين على الأموال من ملاك الأراضى القلقين من الاصلاح الزراعى لنشر الرسالة التى يمكن أن تشد معظم الشرائح الفقيرة من المجتمع:
" كان جوهر دعاية الاصوليين أن الاسلام مهدد من التسلل الشيوعى والالحادى الذى كان الاصلاح الزراعى يشكل عقبة أمامه.. ونشر الأصوليون أفكارهم الخاصة فى أكثر المناطق حرمانا، بعد البناء السريع للمساجد التى تحولت بعد ذلك الى انشاءات صلبة. سئم العمال والعاطلين عن العمل ظروف حياتهم، حيث لم ينتفعوا من الاصلاح الزراعى، فاستجابوا للاصوليين".
وبعد ذلك فى منتصف السبعينات حصلوا على دعم من قطاعات من النظام للقضاء على اليسار فى الكليات: " نجح الأصوليون فيما بين 1976 و1980 بالتآمر مع النظام فى القضاء التام على نفوذ الماركسيين".
وفى أوائل الثمانينات، استمر قطاع من النظام فى التطلع الى الرؤى الأكثر اعتدالا من الحركة الاسلامية لتدعمه. فقد سعى شيبان، وزير الشئون الدينية حتى 1986 لبناء هذا الاتجاه الاسلامى، ولهذا ساعد الاسلاميين للحصول على أموال لبناء المساجد من الصناعيين والمؤسسات التجارية. ولكن ذلك لم يمكنه من ايقاف تطور رؤى اسلامية راديكالية ترفض النظام. هكذا فى مدينة قسطنطين، بينت إحدى الدراسات:
"حلت الأصولية فى قطاع واسع من الرأى العام فى قسطنطين محل المفاهيم التقليدية من خلال نشر رؤية اسلامية جديدة تدعو الى إحياء مجتمع النبى. وتستمد هذه الأصولية قوتها من الاستفزاز الذى يسيطر على جزء كبير من الشباب، أولئك الخارجين من حسابات النظام الاقتصادى والاجتماعى".
كانت هذه الرؤية الاسلامية من القوة بحيث كانت قادرة عل اجبار وزارة التعاليم الدينية على تعيين أعضائها كأئمة فى المساجد بدلا من أولئك الذين يتبنون رؤى معتدلة.
وبدأ النظام يفقد السيطرة على الميكانيزمات نفسها التى أثارها للتعامل مع اليسار. وبدلا من أن تسيطر على الجماهير لصالح النظام، وفرت الحركة الاسلامية تركيزا لكل مرارتهم وكراهيتهم لأولئك القادة الذين شاركوا فى حرب التحرير فى الستينات ولكنهم أصبحوا الآن طبقة حاكمة متميزة. وعمقت الأزمة الاقتصادية التى عانى منها المجتمع الجزائرى فى منتصف الثمانينات من الاحساس بالمرارة - حيث تحولت الدولة الى الرأسماليين الغربيين الذين استنكرتهم فى الماطى فى محاولة للتعامل مع الأزمة. وأصبح التحريض الاسلامى ضد اولئك الذين يتحدثون الفرنسية وقد " أفسدتهم الأفكار الغربية " بسهولة هجوما على مصالح " الفئة القليلة ولكن المسيطرة من التكنوقراط ذوى التعليم العالى والذين يشكلون أساس طبقة جديدة من البيةروقراطيين ذوى الرواتب العالية".
بدأ النظام فى التحول ضد الاسلاميين بسجن قادتهم فى منتصف الثمانينات، حيث أتهم الرئيس الشاذلى الأئمة " بالديماجوجية السياسية ". وبرغم ذلك، لم تكن النتيجة هى القضاء على الاسلاميين، بل تعزيز موقفهم فى معارضة النظام.
أصبح ذلك واضحا فى أكتوبر 1988. انفجر العداء ضد الطبقة الحاكمة والنظام فى انتفاضة شبيهة جدا لتلك التى كانت وشيكة الجدوث فى أوروبا الشرقية بعد ذلك بعام. وتحولت الحركة فورا، التى بدأت كسلسلة من الاضرابات العفوية فى الجزائر العاصمة، الى معارك كبيرة فى الشوارع بين الشباب والبوليس: أعاد الناس، مثل سجين أطلق لتوه، اكتشاف أصواتهم وشعورهم بالحرية. وحتى قوة البوليس لم تعد تخيفهم. كان تمرد أكتوبر 1988 قبل كل شئ احتجاجا للشباب على ظروف حياتهم بعد ربع قرن من الديكتاتورية العسكرية.
اهتز النظام من أساسه نتيجة لهذا التمرد. وكما فى أوروبا الشرقية، ظهرت كل أشكال القوى السياسية التى قمعت من قبل. وكتب الصحفيون بحرية لأول مرة، وبدأ المثقفون فى الحديث بحرية عن حالة المجتمع الجزائرى الحقيقية.. وعاد السياسيون المنفيون من كل من اليسار واليمين من الخارج، وظهرت حركة نسائية تتحدى قانون العائلة الاسلامى الذى يفرضه النظام، والذى يمنح النساء حقوقا أقل من الرجال. ولكن حالا بدا واضحا أن الاسلاميين كانوا القوى السائدة فى المعارضة خارج مناطق البربر. وكان تأثيرهم من زوايا عديدة يشبه نفوذ " الديمقراطيين " فى أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتى فى السنة التالية. واجتمع لهم القبول الذى أبداه قطاعات من النظام فى الماضى، والدعم الذى يحصلون عليه من بعض الدول الأجنبية القوية ( على سبيل المثال، التمويل من السعودية ) مع قدرتهم على التماسك حول رسالة ركزت مرارة جماهير السكان:
" بدا الاسلاميون بفضل عددهم، وشبكة المساجد الخاصة بهم، وقدرتهم على التحرك عفويا كرجل واحد، كأنما يطيعون أوامر لجنة مركزية سرية، كما لو أنهم الحركة الوحيدة القادرة على تحريك الجماهير والسيطرة على مجرى الأحداث. فقد كانوا هم الذين يتقدمون كمتحدث باسم المتمردين، والقادرين على فرض أنفسهم كقادة للحركة فى المستقبل... وبعد أن هدأ النظام، الذى لم يعرف مع من يتفاوض، بنادقه الآلية، كان يبحث عن القادة والممثلين القادرين على صياغة مطالب والسيطرة على الجماهير الذين يتحركون بعنف لا يمكن السيطرة عليه. لذلك استقبل الشاذلى عباس مدنى، وبلحاج ومهنى (أشهرالزعماء الاسلاميين) ".
وقد أصبحت الحركة الاسلامية، المنظمة الآن فى جبهة الانقاذ، مؤثرة فى الشهور التى تلت ذلك لدرجة أنها كانت قادرة على السيطرة على معظم الدوائر الهامة فى انتخابات يونية 1990 المحلية، وبعد ذلك حصلت على أكبر عدد من الأصوات فى الانتخابات العامة فى ديسمبر 1991، برغم تعرضها للقمع الشديد. ألغى العسكريون الجزائريون الانتخابات لمنع الاسلاميين من تشكيل الحكومة. ولكن لم يوقف ذلك التأييد الجماهيرى للاسلاميين خالقة ظروف حرب أهلية تقريبا فى البلاد، مع سقوط مناطق بكاملها تحت السيطرة الكاملة للجماعات الاسلامية المسلحة.
وبرغم ذلك كان صعود النفوذ الاسلامى مصحوبا بخلط متزايد حول ما تدعو اليه جبهة الانقاذ الاسلامية. فأثناء سيطرتها على المدن الرئيسية بين يونيو1990 ومايو 1991،
" كان التغيير الذى أحدثوه متواضعا؛ أى اغلاق البارات، الغاء الحفلات الموسيقية، الحملات - فى أوقات العنف - من أجل "احتشام النساء " وضد أطباق استقبال الأقمار الصناعية المنتشرة التى " تسمح باستقبل الأفلام الغربية الجنسية"... ولم يعد مدى ( أشهر قادة جبهة الانقاذ الاسلامية ) ولا مجلس شورى الجبهة برنامجا سياسيا اجتماعيا حقيقيا ولا دعوا الى مؤتمر لمناقشته. وقصر مدنى نفسه على القول بأن ذلك سوف يحدث بعد تشكيل الحكومة".
وما فعلته جبهة الانقاذ فعلا هو إعلان معارضتها لمطالب العمال بتحسين الأجور. وقد عارضت فى هذه الشهور اضراب عمال النظافة فى الجزائر العاصمة، واضراب عمال الخدمة المدنية، وكذلك الاضراب العام ليوم واحد الذى دعى اليه اتحاد النقابات " الحكومة " السابق. وبرر مدنى كسر اضراب عمال النظافة فى تحقيق صحفى، شاكيا أن ذلك كان يجبر أناس محترمين مثل الأطباء والمهندسين على كنس الشوارع:
" من حق عمال النظافة أن يضربوا، ولكن ليس من حقهم احتلال العاصمة وتحويل البلاد الى مزبلة. ويوجد اضرابات تقوم بها النقابات وتصبح وجالا لنشاط المفسدين، أعداء الله والوطن، الشيوعيين وآخرين، الذن ينتشرون فى كل مكان بسبب تراجع كوادر حبهة التحرير الوطنية... اننا نحيى ايام ".
تناسب هذا الموقف " المحترم " تماما مع مصالح الطبقات التى مولت الاسلاميين منذ زمن الاصلاح الزراعى حتى الآن وتناسب أيضا مع هؤلاء الاعضاء الناجحين من البرجوازية الصغيرة الذين كانوا جزءا من جبهة الانقاذ الاسلامية - أى الأساتذة، والأئمة الراسخين، ومعلمى المدارس الثانوية. وقد جذب أيضا أولئك الريفيين الذين مكنهم ولاؤهم للحزب الحاكم السابق - أى جبهة التحرير - من الرخاء المادى، وأصبحوا فلاحين رأسماليين ناجحين أو رجال أعمال أعمال صغار. ولكنه لم يكن كافيا لارضاء جماهير الفقراء فى الحضر الذين تطلعوا الى جبهة الانقاذ أملا فى الخلاص أو اجبار الطبقة الحاكمة والعسكريين على التراجع وقبول حكومة تشكلها جبهة الانقاذ الاسلامية.
فى نهاية مايو 1991 تحول قادة جبهة الانقاذ، أمام تهديدات العسكريين بافساد العملية الانتخابية بدلا من خطر انتصار الجبهة، و" قاموا بانتفاضة حقيقية أعادت الى الأذهان أكتوبر 1988: قنابل مولوتوف، غازات مسيلة للدموع، متاريس، ودفع على بلحاج، الإمام الزعيم، بعشرات الآلاف من المتظاهرين الى الشوارع. وسيطرت جبهة الانقاذ لبعض الوقت على مركز العاصمة الجزائرية، يدعمها عدد هائل من الشباب الذين بدا لهم الاسلام والجهاد البديل الوحيد عن بؤس المجتمع الذى يدافع عنه العسكريون.
فى الواقع، كلما ازدادت جبهة الانقاذ قوة، كلما ترددت بين الهدوء والثورة، داعية الجماهير الى عدم الاضراب فى مارس 1991 وبعد ذلك دعتهم الى الاطاحة بالدولة بعد شهرين فقط فى مايو.
ظهرت نفس التناقضات فى الحركة الاسمية فى الثلاث سنوات منذ أن تزايدت حدة حرب العصابات فى كل من المدن والريف. " وقد أثار الحكم على عباس مدنى وعلى بلحاج بالسجن 12 عاما ثورة كبرى داخل جبهة الانقاذ وانقساما فى قواعدها. وأشاع حجز آلاف الأعضاء والمتعاطفين معها فى معسكرات فى الصحارى الارهاب فى المدن وحرب العصابات فى الريف. ونشأت منظمتين مسلحتين، هما الحركة الاسلامية المسلحة، والجماعات الاسلامية المسلحة، التى حصلت على تأييد الجماعات المسلحة فى كل مناطق البلاد. ولكن كانت الحركتان السريتان تتميزان " بالانقسامات الداخلية":
" فى مقابل ‘ الاعتدال ‘ المفترض للحركة الاسلامية المسلحة، التى تغتال ‘ فقط ‘ ممثلى ‘ النظام الفاجر‘، تعرض الجماعات الاسلامية المسلحة الجهاد المتطرف، والذى يختار ضحاياه من الصحفيين، والكتاب، والشعراء والنسويين والمثقفين... منذ نوفمبر 1993 قتل 32 من الأئمة المسلمين المعتدلين والنساء المتبرجات...
أدت معارك قتل الأخوة بين الحركة الاسلامية المسلحة والجماعات الاسلامية المسلحة الى ضحايا كثيرة.. وينسب البعض موت 7 من الارهابيين الى هذه المشاجرات، ولكن البعض الآخر ينسبه الى العصابات التى ينظمها البوليس. وتتهم الجماعات الاسلامية المسلحة القادة التاريخيين لجبهة الانقاذ بالانتهازية والخيانة وبالتخلى عن برنامجهم فى التطبيق الكامل للشريعة."


مفترق الطرق:

تبين تجربة الحركة الاسلامية فى مصر والجزائر كيف أنها يمكن أن تنقسم حول مسألتين مختلفتين: أولا حول ضرورة اتباع مرحلة تطول أو تقصر من الاصلاح السلمى للمجتمع القائم أو حمل السلاح؛ ثانيا حول ضرورة الكفاح لتغيير الدولة أو تطهير المجتمع من " الكفر".
فى مصر تعتمد الأخوان المسلمون حاليا على سياسة إصلاحية تتوجه نحوالدولة. وهى تحاول أن تعمل داخل المجتمع الحالى بانية قوتها حتى تصبح معارضة شرعية، مع سيطرة إعلامها الخاص على مختلف منظمات مهنيى الطبقة الوسطى والتأثير داخل قطاعات أوسع من السكان من خلال المساجد والجمعيات الخيرية الاسلامية. وهى أيضا تميل الى التأكيد على الجهاد لفرض احترام القيم الاسلامية من خلال حملات اعلامية تدعو النظام القائم الى ادخال الشريعة فى القانون الرسمى.
هذه هى الاستراتيجية التى تبدو أيضا أنها تجذب قطاعا من قيادة جبهة الانقاذ المسجونين أو المنفيين فى الجزائر. فى الشهور القليلة الأولى من 1994 كانت هناك تقارير عن مفاوضات بينهم وبين قسما من النظام، مع الاتفاق حول اقتسام السلطة لتطبيق جزء من الشريعة. هكذا حاء فى تقرير لصحيفة الجارديان فى أبريل 1994 أن رباح كبير، أحد قادة جبهة الانقاذ المنفيين، رحب بتعيين رضا مالك، أحد قادة طبقة التكنوقراط، رئيسا جديدا للوزراء فى الجزائر، " كحدث ايجابى " - بعد يومين فقط من استنكار جبهة الانقاذ لآخر اتفاق بين الحكومة وصندوق النقد الدولى.
يرى بعض المعلقين المحنكين أن هذه الصفقة تقدم أفضل الطرق للبرجوازية الجزائرية لانهاء حالة عدم الاستقرار والحفاظ على موقعها. هكذا يرى جوان جويتسلولو أن العسكريين كان يمكن أن يتجنبوا الكثير من المتاعب من خلال السماح لجبهة الانقاذ الاسلامية بتشكيل الحكومة بعد انتخابات 1991:
" ستعوق الظروف التى تصعد فيها الى السلطة تطبيق برنامجها بشكل فعال. فمديونية الجزائر، واعتمادها فى التمويل على الدائنين اليابانيين والأوروبيين، والفوضى الاقتصادية والمشاعر العدائية للقوات المسلحة كانت ستشكل عقبة كبيرة يصعب على حكومة جبهة الانقاذ التغلب عليها... فعجزها عن الوفاء بوعودها الانتخابية كان شيئا معروفا مسبقا. وعلى مدار سنة من حكومة محاصرة بقوة من أعدائها، كانت جبهة الانقاذ ستفقد جزءا كبيرا من مصداقيتها"
تتناسب ‘ الاصلاحية فى الحركة الاسلامية ‘ مع احتياجات طبقات اجتماعية هامة معينة - أى أصحاب الأراضى التقليديين والتجار، والبرجوازية الاسلامية الجديدة ( مثل أعضاء الأخوان المسلمين الذين أصبحوا مليونيرات فى السعودية) وذلك القطاع من الطبقة الوسطى الاسلامية الجديدة الذين حظوا بالتحرك لأعلى. ولكنها لا ترضى الشرائح الأخرى الذين تطلعوا الى الحركة الاسلامية - أى الطلاب والخريجيين الفقراء، أو فقراء الحضر. وكلما سعت جبهة الانقاذ والأخوان المسلمون الى المساومة، كلما تطلعت هذه الشرائح الى اتجاه آخر، معتقدين أن أى تنازل عن مطلب إدخال اسلام السنوات الأولى يعد خيانة.
ولكن من الممكن أن يوجه رد فعلهم نحو ذلك فى اتجاهات مختلفة. فربما يظل سلبيا فى مواجهة الدولة، داعين الى استراتيجية الانسحاب من المجتمع، ويكون التشيد فيها على الدعوة وتنقية الأقليات الاسلامية، بدلا من التشديد على المواجهة. كانت تلك هى الاستراتيجية الأصلية لجماعة شكرى فى مصر فى منتصف السبعينات، وهى أيضا رؤية بعض الدعاة لراديكاليين القلقين من قوة الدولة اليوم.
أو من الممكن أن تتحول الى الصراع المسلح. ولكن بالضبط كما يمكن أن يوجه الصراع السلمى ضد الدولة أو ضد مظاهر الفجر وحدها، كذلك يمكن أن يكوون الصراع المسلح صراعا للاطاحة بالدولة، أو حركات مسلحة ضد ‘ أعداء الاسلام ‘ وسط السكان عموما - أ الأقليات العرقي والدينية، والنساء المتبرجات، والأفلام الأجنبية، ونفوذ ‘ الامبريالية الثقافية ‘ وهكذا. ربما يبدو منطق الموقف هو دفع الناس نحو خيار الصراع المسلح ضد الدولة. ولكن يوجد منطق مضاد قوى فى العملية، تقع جذوره فى التكوين الطبقى لاتباع الحركة الاسلامية.
فكما رأينا، ان القطاعات التى تؤيد لاحركة الاسلامية من الطبقات المستغلة تنسحب بشكل طبيعى الى اتجاهاتها الأكثر إصلاحية. وحتى عندما لايكون لهم خيار الا حمل السلاح، فهم يريدون أن يفعلوا ذلك بطريقة تقلل الى الحد الأدنى الاحتجاج الاجتماعى الأوسع. فهم يسعون الى الانقلابات بدلا من الحركة الجماهيرية. واذا حدث ذلك رغما عنهم، يحاولون انهاءه بأسرع وقت ممكن.
يستطيع فقراء البرجوازية الصغيرة الجديدة التحرك أبعد بكثير نحو مفهوم الحركة المسلحة. ولكن موقعهم الاجتماعى الهامشى الخاص يمنعها من رؤية ذلك كتطور من الصراعات الجماهيرية مثل الاضرابات. وبدلا من ذلك تتطلع الى المؤامرات التى تعتمد على الجماعات الصغيرة المسلحة - المؤمرات التى لا تؤدى الى التغيير الثورى الذى أراده قادتهم، حتى عندما يحققون أهدافهم المباشرة مثل اغتيالهم للسادات. ومن الممكن أن تحدث خللا كبيرا فى المجتمع الحالى ولكنها لا تستطيع تثويره.
كانت هذه تجربة الشعبويين فى روسيا قبل 1917. وكانت تجربة جيل من الطلبة والخريجين فى كل منطقة العالم الثالث الذين اتجهوا نحو الجيفارية والماوية فى أواخر الستينات( والذين ما زال أتباعهم يحاربون فى الفلبين وبيرو). وهى تجربة الاسلاميين المسلحين فى مواجهة الدولة فى مصر والجزائر اليوم.
ربما يكون الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق أن يبنى الاسلاميون أنفسهم على أساس طبقات غير هامشية ومتوسطة الحجم. ولكن الأفكار الأساسية للحركة الاسلامية تجعل ذلك مستحيلا حيث يدعو الاسلام، حتى فى شكله الأكثر راديكالية، الى العودة الى مجتمع الأمة الذى يوفق بين الأغنياء والفقراء، وليس الإطاحة بالآغنياء. هكذا يطرح البرنامج اٌلإقتصادى لجبهة الإنقاذ خطة ‘ للمشروعات الصغيرة ‘ التى تنتج ‘ الاحتياجات المحلية ‘ مدعية أن ذلك بديلا عن ‘ الرأسمالية الغربية ‘ والتى لا تتميز فعلا عن الدعاية الانتخابية للعديد من الأحزاب الليبرالية والمحافظة المنتشرة فى العالم. وشددت فى محاولاتها لتشكيل ‘ نقابات إسلامية ‘ فى صيف 1990 على واجبات العمال، لأن النظام القديم منحهم حقوقا كثيرة و‘ عود العمال على الكسل ‘ كما تدعى. وأصرت على أن الصراع الطبقى ‘ لا يوجد فى الإسلام ‘، لأن النصوص المقدسة لم تتحدث عنه. والمطلوب هو أن يعامل صاحب العمل عماله بنفس الطريقة التى يأمر بها القرآن المؤمنين لمعاملة عبيدهم - أى ‘ أخوة ‘.
وليس غريبا أن أى من ‘ الجماعات الإسلامية ‘ لم تنجح فى أى مكان فى بناء قاعدة لها فى المصانع حتى ولو عشر القوة التى بنوها فى القطاعات الأخرى. ولكن بدون هذه القاعدة لن يمكنها بمفردها تحديد مسار التغيير الإجتماعى، حتى لو نجحت فى هدم النظام الحالى. فأولئك الذين يعيشون على هامش المجتمع يمكنهم فى ظروف معينة إثارة أزمة كبرى داخل نظام غير مستقر فعلا. ولا يمكنهم تحديد كيفية الخروج من هذه الأزمة.
ربما تستطيع الجماعات الإسلامية إثارة تلك الأزمة فى أحد الأنظمة الموجودة ولذلك يستطيعون عزل قادتها الحاليين. ولكن ذلك لن يمنع الطبقة الحاكمة، التى سيطرت فى ظل هؤلاء القادة، من الاتفاق مع الإسلاميين الأقل نظالية للتمسك بالسلطة. وبعد تلك الأزمة بوقت قصير يواجه المناضلون الإسلاميون أنفسهم آلة الموت الجبارة على أيدى الدولة.
إنه ذلك الضغط من الدولة هو الذى يشجع بعضهم للتحول عن الهجوم المباشر على النظام إلى المهمة السهلة فى مهاجمة ‘مظاهر الكفر‘ الأقليات - الإتجاه الذى يشدهم فى المقابل للإقتراب من تيار الإسلاميين الإصلاحيين‘ المعتدل‘.
فى الواقع، يوجد دياليكتيك معين داخل الحركة الإسلامية. يتعلم الإسلاميون الذين يناضلون ضد الدولة، بعد تحمل الجزء الأكبر فى الصراع المسلح الفاشل، الطريق الصعب فى إحناء الرؤوس، وبدلا من ذلك يتحولون للصراع من أجل فرض السلوك الإسلامى إما مباشرة أو من خلال الإصلاحية الإسلامية. وهكذا يظهر مناضلون جدد باستمرار ينشقون ويتجهون الى طريق الحركة المسلحة حتى يتعلم هؤلاء أيضا حدود الحركة المسلحة المنعزلة عن قاعدة اجتماعية مؤثرة.
لا يوجد تحرك أوتوماتيكى من معرفة حدود الحركة الإصلاحية الإسلامية الى الإتجاه نحو السياسة الثورية. بل تؤدى حدود الإصلاحية إلى إما جماعات وعصابات إرهابية تحاول التحرك دون قاعدة حماهيرية، أو فى اتجاه الهجوم الرجعى على ضحايا مشكلات النظام. ولأن كلا الاتجاهين يعبر عن نفسه بنفس اللغة الدينية، يوجد غالبا سيادة لاتجاه على آخر.فمن يريدون الهجوم على النظام والإمبريالية يهاجمون الأقباط والبربر والنساء المتبرجات. ومن لديهم كراهية غريزية للنظام ككل يقعون فى فخ الرغبة فى التفاوض حول فرض الشريعة من خلال الدولة. وعندما توجد انقسامات بين المجموعات المتصارعة - أحيانا ما تكون عنيفة لدرجة أنهم يشرعون فى قتل بعضهم البعض كمرتدين عن الإسلام الحقيقى - يعبر عنها بطرق تخفى الأسباب الإجتماعية الحقيقية وراءها. لو أن أحد الإسلاميين المتطلعين لأعلى كف عن الجهاد، فان ذلك يبرهن فقط على أنه شخصيا ‘ مسلم سئ، ( أو حتى مرتد)؛ وهذا لا يمنع فى حد ذاته إسلاميا آخرا متطلعا لأعلى من أن يكون " مسلما جيدا ".



يتبع
02-09-2006, 01:44 PM
زيارة موقع العضو عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
{myadvertisements[zone_3]}


الردود في هذا الموضوع
كتاب.. "النبي والبروليتاريا"- بقلم: كريس هارمن - بواسطة روزا لوكسمبرج - 02-09-2006, 01:44 PM

المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة…
الموضوع الكاتب الردود المشاهدات آخر رد
Brick الصحيح من سيرة النبي محمد r ( كاملاً ) الفكر الحر 1 1,842 01-11-2012, 06:27 AM
آخر رد: الفكر الحر
  انتحار الغرب - ريتشارد كوك و كريس سميث ali alik 3 1,387 01-05-2012, 02:29 AM
آخر رد: نبع الحياة
Lightbulb خان الخليلي -- بقلم نيو نيو فريند 1 2,962 12-26-2011, 06:10 PM
آخر رد: نيو فريند
  النقد الكتابي للقرآن \بقلم شاكر فضل الله النعماني الوهيم 4 2,489 06-24-2011, 08:37 AM
آخر رد: Kairos
Information كتاب الجلوة / كتاب اليزيدية الفكر الحر 0 5,140 02-13-2011, 01:53 PM
آخر رد: الفكر الحر

الانتقال السريع للمنتدى:


يتصفح هذا الموضوع من الأعضاء الان: بالاضافة الى ( 2 ) زائر
{myadvertisements[zone_2]}
إتصل بنا | نادي الفكر العربي | العودة للأعلى | | الوضع البسيط (الأرشيف) | خلاصات التغذية RSS