الكآبة.. والإنتاجية والإبداع.. طه حسين
ربما لا يوجد شخص في العصر الحديث لم يعرف ولم يقرأ عن عميد الأدب العربي، والأديب الكبير الدكتور طه حسين، والذي لقب بعميد الأدب العربي. هذا الرجل الاسطورة الحقيقة، الذي ولد في إحدى قرى الصعيد المنسية يوم 14 نوفمبر 1881م، كان السابع بين ثلاثة عشر من أبناء أبيه، وخامس أحد عشر من أشقائه. وكان يشعر بأن له بين هذا العدد الضخم من الشباب والأطفال مكاناً خاصاً يمتاز من مكان اخوته واخواته. عرف ان سبب هذه المكانة بسبب ان لغيره من الناس عليه فضلاً، وان اخوته يستطيعون ما لا يستطيع، وينهضون من الأمر لما لا ينهض له. وأحس ان أمه تأذن لاخوته واخواته في أشياء تحظرها عليه، وكان ذلك يحفظه. ولكن لم تلبث هذه الحفيظة ان استحالت إلى حزن صامت عميق، ذلك أنه سمع اخوته يصفون ما لا علم له به، فعلم أنهم يرون ما لا يرى!!
شعر بالحزن لأنه كطفل لا يستطيع ان يفعل ما يفعله الأطفال الآخرون.. وأنه لا يرى، وعرف وسمع بأنهم يطلقون عليه أعمى، وسمع أحد أصدقاء والده ينصح الوالد بأن طه بحكم العاهه التي ساهم الجهل في سببها بحكم العلاج الذي قام به شخص جاهل لعلاج عينيه فاطفأها، منذ ذلك الوقت وهو يحارب الجهل، ويقدر العلم، ويسعى ما أوتي من قوة في ان يجعل التعليم مجانياً، عندما أصبح وزيراً للمعارف.
كلمات صديق والده بأن طه لا يصلح إلاّ ان يكون مقرئا للقرآن عند المقابر ويتصدق عليه الناس، جعلته يصاب بصدمة عنيفة، ويشعر بألم دفين داخله، ربما هذا ما رسب ما يمكن تسميته الاكتئاب. فقد كان طفلاً انطوائياً، لا يتكلم مع أحد ولا يشاطر أحداً اللعب. كان دائماً جاداً، حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنوات، واصر على ان يحضر الدروس التي تلقى في القرية، حتى بز اقرانه من المبصرين بحفظه وادراكه لما يلقى عليهم من دروس.
اصر طه حسين الشاب على والده ان يلتحق بأخيه الطالب في الجامع الأزهر، ووافق الوالد رغم اشفاقه على هذا الفتى الضرير من الحياة في القاهرة، بازدحامها وصخبها، ومن سوف ينتبه لهذا الشاب الضرير.
هذا الشاب الضرير أبدى تفوقاً رائعاً في دراسته في الأزهر، لكنه انتقد الأزهر، فتم طرده من الأزهر ولم يعد إلاّ بواسطة من أحد كبار الشيوخ. في تلك الأثناء فتحت جامعة القاهرة وكانت وقتذاك تسمى جامعة فؤاد الأول، فذهب ليحضر، وبهر بطريقة التدريس وحاول ان يلتحق بهذه الجامعة التي يتحدث فيها الأساتذة بطريقة مختلفة راقت للفتى الضرير، وفعل كل ما بوسعه حتى قبل في هذه الجامعة بظروف أشبه بالمعجزه.
وبعد ذلك ابتعث إلى فرنسا وحصل على الدكتورة من السوربون، ونال استحسان أساتذته وإعجابهم، وهناك حدث أمر شخصي له إذا تزوج الفتاة التي كانت تقوم بقراءة الكتب له واسمها سوزان.
سوزان هذه كتبت عنه بعد رحيله كتاباً جميلاً يبين الجانب الشخصي من حياة هذا العالم الكبير الذي ترك حين غادر الحياة أكثر من ثلاثمائة وثمانين كتاباً من الكتب القيمة.
رغم كل هذا الإنتاج وكل المناصب التي تقلدها هذا الفتى الضرير الذي جاء من قريته فقيراً، يتناثر الأكل على ملابسه عندما يأكل، وهندامه الذي لا يعرف كيف يعتني به، جاءت سوزان التي غيرت حياته كاملة، وأصبح ممتناً لها، حتى عندما كانت نائمة أشار إليها وقال لابنته ان هذه المرأة جعلت من أبيك إنسانا آخر!
تقول سوزان في كتابها معك بأن طه حسين كان يعاني من نوبات كآبة، فعندما تأتي هذه النوبات، ينعزل ولا يقابل أحداً، ولا يتكلم ولا يأكل، وكانت زوجته تعرف بحكم معرفتها من بلدها بأن هذا يسمى اكتئاباً، لكنها خشيت من طه ان يعالج من هذا الاكتئاب حتى لا تجرحه، حيث كان شديد الحساسية بسبب اعاقته البصرية، فلم ترد ان تزيد الأمر عليه. كانت تقول بأن نوبات الاكتئاب، أو كما كانت تسميها بأنه سيقط في بئر عميق لا يستطيع أحداً الوصول إليه.. إذا يتعزل العالم، ولا يعود يرغب في أي شيء مهما كان، حتى أبنائه رغم حبه الجارف لهم كان يتجنبهم ويعيش عزلة تامة، منقطعاً عن كل ما حوله. وتقول زوجته بأن لو كان هناك شيء يساعده على ان يتخلص من هذه النوبات فلا شك بأن إنتاجه سوف يكون أفضل وأكثر.
إنه الاكتئاب الذي يعاني منه الآن الملايين في جميع أنحاء العالم، ولكن للأسف قلة هم الذين يتعالجون عن هذا الداء العضال، والذي يستجيب للعلاج بشكل جيد في كثير من الأحيان.
إن مقولة طه حسين «إننا لا نحيا لنكون سعداء، ولا حتى لنجعل الآخرين سعداء» هذه هي كلماته، فهل لو كان يعالج عن الاكتئاب كان يقول مثل هذا الكلام!!
http://www.alriyadh.com/2005/04/08/article54736.html