RE: الإله و نقص مهارات الإتصال ؟
"و من المعلوم بالضرورة إن مسئولية فهم الرسالة تقع دائماً علي مرسل هذه الرسالة "
كلا, من المعلوم بالضرورة أن مسؤولية الفهم تقع على المرسل والمستقبل معا, وهذا شيء بديهي,
وكــم مـن عـائب قـولا صـحيـحـا وآفتـــه مـــن الـفـهـــم الـســقيم
ولكـــن تــأخذ الأفـهـــام مــنــه عــلى قـــدر الـقــرائح والفهــوم..
فعقول الناس ومستويات فهمهم تختلف, حتى أن النص الذي تفهمه الآن قد تفهم منه شيئأ مختلفا بعد مدة, أيضا هناك من يقرأ النص وهو قد أخذ فكرة مسبقة عنه ولا يريد أن يغيرها..
فماذا تفعل بشخص لا يريد أن يفهم مهما كان النص واضحا؟ وهذه مشكلة من يقدس شيئا ماديا أو المادة كلها, مهما شرحت له أن هذه المادة لا تستحق كل هذا التقديس فلن يفهم, لأنه لايريد, فنية المستقبل هي الفيصل, هل يريد الحقيقة أم يريد مصلحته وأنانيته.
"والحقيقة إن نصوص جميع الكتب السماوية هي نصوص عايمة تحتمل التأويل و لا يمكن الجزم بمعاني أكثرها أو المقصود منها "
حتى نكون علميين علينا ألا نخلط الأديان مع بعضها ونعزل كل منها على حدة عند مناقشة حقيقتها, هذا إذا أردت أن نكون علميين.
ثم عن أي نصوص "عايمة" تتحدث؟ القرآن كتاب غاية في الوضوح, فهذا الكتاب رغم أنه نزل في القرن السادس الميلادي لكن مفرداته أغلبها واضحة ومعروفة بينما ماوردنا من أدب الفترة التي نزل فيها القرآن يكاد لا يُفهم إلا من المختصين, بل حتى الأدب الأوروبي في القرن السادس عشر لايُفهم إلا بمصاحبة قاموس المفردات وأيضا دراسة الفترة التاريخية التي كان الكاتب فيها, وهذه نقطة تستحق الإعجاب في القرآن والدراسة لو كنت علميا, فهذه حقيقة يدركها الجميع وأنت منهم لكنك نسيتها أو تناسيتها.
هذه الرسائل السماوية تتكلم عن إصلاح النية وعن مثل وأخلاقيات وأنت تعرف أن الكلام في هذه الأمور ليس مثل الكلام في الجغرافيا أو الرياضيات, فالكلام في الرياضيات لا يفتح ابواب لأي احتمال لأنه مرتبط بمادة, أما المعنويات فلا يمكن إدراكها بشكل علمي ودقيق بالعقل المجرد فقط, وجرب هذا مع الشعر فأمامك قصيدة حداثية أو لوحة فنية ستجد أنه لن يكون كلام ناقد هو نفس كلام ناقد آخر, وهذا فرق بدهي موجود بين الماديات والمعنويات, فالمعنويات تحتاج للماديات حتى نقربها واللغات إما أن تعبر عن مادي او معنوي ووسيلتها المادة في كلا الحالتين.
هل تفهم ما أراد الشاعر مثلما تفهم ما أراد مدرس الكيمياء؟ لا يمكن ان تفهم بنفس الدرجة ويبقى المعنى في بطن الشاعر ويبقى فهم المعنويات للمعنويات وللشعور, ولا أدري كيف فات عليك هذا التفريق!
أما عن اختلاف المذاهب والشيع فهذا من الرغبات الشخصية والنوايا الأنانية التي أُدخِلت على النص, وهذا ليس شيئا خاصا بالأديان بل حتى النصوص القانونية بالرغم من كثرة مجلداتها المليئة بالتفاصيل إلا أن المحامين لا زالوا يتلاعبون بالنصوص, والمذاهب الفلسفية نفس الشيء تتشقق لشيع وفرق كما حصل للشيوعية والوجودية والإلحاد, فالإلحاد الذي أنت فيه يتشقق إلى شيع, فالملحد يمجد العلم والعدمي يسخر منه وكلاكما ملحد, والملحد الشيوعي يحقد على الملحد الرأسمالي وهو عدوه الأول والرأسمالي يرتجف خوفا من الشيوعي وهو عدوه الأول, والحرب الباردة تثبت ذلك, ألم تكن نصوصكم واضحة؟ لماذا اختلفتم هذه الاختلافات الكبيرة؟ أم أنها المصالح والأهواء فرقت الملحدين عن بعضهم كما فرقت رجال الدين إلى شيع ومدارس وتوجهات وبالتالي تناحرات.
أنت ذكي بما يكفي لتكتشف أن هناك اختلافات في المذاهب عند المتدينين, لكن ألم تكتشف أن أغلب البشر تحركهم المصالح وليس حب الحقيقة؟ المشكلة ليست مشكلة صعوبة في النص بل تناحر مصالح.
تصور أن القرآن دقيق بالشكل الذي تريده, كيف سيكون؟ وكم سيكون حجمه؟
فليست المشكلة مع الدين مشكلة فهم, المشكلة مشكلة نية واختيار, القرآن هو ليس لكل من قرأه بل هو لمن شاء أن يستقيم أي نوى وأراد, فتخيل قصيدة واضحة بالشكل الذي تريده هل تبقى قصيدة؟ ما قيمتها الفنية؟ ستكون قصيدة علمية مضحكة, مثل شعر العلماء, هل يعجبك شعرهم؟
كأنك تريد تفصيلات يومية للحياة وهذا شيء مضجر ويلغي العقل ويقيد حرية الإنسان.
حتى كلامي هذا لو قرأته وأنت تتصور أنني متدين دوغمائي فلن تفهم ماكتبته, لكن لو قرأته بعقلية علمية وباحثة عن الحقيقة فستفهمه بسهولة.
"مهارات الإتصال التي أصبحت من العلوم المثبتة تعلم الناس كيف يتواصلون مع بعضهم برسائل لا تحتمل الفهم الخاطئ , فلماذا إفتقد الإله الإبراهيمي لهذه المهارات ؟"
مهارات التواصل هذه لو كانت تفيد لحلت مشكلة الشرق الأوسط التي دامت لأكثر من خمسين سنة من الاجتماعات تحت اشراف امريكي الذي لا بد أنه يملك مهارات الاتصال, هل هذه المؤتمرات تفتقد لوسائل الاتصال؟ هذا الكلام غير واقعي, الناس في هذا الزمان أقل تفاهم من الزمن الماضي, رغم كثرة وسائل الاتصال ومهاراتها, فكل إنسان يعيش عالما لوحده وهذا متجسد في العالم الغربي بشكل أكبر, أضف هذه إلى معلوماتك. فبالرغم من وجود مهارات الاتصال إلا أن الغربة والوحدة قد زادت, فزاد الجهل بأحوال بعضهم والعزلة وعدم التواصل حتى بين أفراد الأسرة.
لو كان مهارات الاتصال موجودة لماذا الإنسان يعيش فردية؟ هل تدل الفردية على جودة الاتصال مع الآخرين؟
وماذا تقصد برسائل لا تحتمل الفهم الخاطئ؟ وهل هناك نص في العالم لا يحتمل الفهم الخاطئ؟
إلا إذا كنت تريد أن تكون الرسالة السماوية كالمعلومات الفيزيائية أو المعادلات الرياضية, فتريد من القرآن أن يكون نصا تفصيليا حرفيا وكأنه كتالوج ثلاجة, وهذا طلب ليس بغريب على من فكره مادي فهو قد تعوّد على النص المفصل المقيِّد لحرية العقل, لأنه لا يريد أن يطلق العنان لعقله ويتحرك من ذاته هو بل يريد من الآخرين أن يفهموه ويعلموه كل شيء, وهذا بالضبط هو عكس الحرية الشخصية لو كانت تعنيك.
" و إذا كان الإله سبحانه ملم بكل مهارات الإتصال و التواصل ... فهل هي مشيئته هذا التخبط و التشرذم ما بين سنة و شيعة و قرآنيين و خوارج و معتزلة و روتستانت و كاثوليك و أرثوذكس ... إلخ
فإذا كانت مشيئته أو لنقل لعبته هي التي أنتجت ذلك .. ففيما الحساب و العقاب و النار و الهلاك إذاً ؟ "
الله سبحانه قال:{ من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} هذا نص واضح وصريح بإعطاء الإنسان حرية الاختيار بين الخير والشر, فكل شيء ممكن أن يستفاد من بالخير أو يستغل بالشر حتى النص الديني والرسالة السماوية, وأنت تعرف هذه الآية ولكنك لا تريد أن تفهمها, أرأيت كيف النيات والدوغمائية تؤثر في فهم النص مهما كان صريحا؟
هل أنت تحس أن مشكلة المتدينين هي عدم فهم وبالتالي نياتهم كلها سليمة, فقط يفتقرون للفهم؟ إذاً أين مكان الشر؟ حسب كلامك لا يوجد شر وإنما سوء فهم, لذلك المجرم هو شخص يحتاج إلى من يفهِّمه وليس من يعاقبه, والسارق سرق بسبب سوء فهم فهو لا يعرف أن السرقة خطأ لأنه لم يجد مدرسة تعلمه هذا الشيء, والغرب المتطور لا بد ان يتعامل مع المجرمين بنفس هذا الفهم فلا سجون فقط مدارس وشراح يجيدون مهارات الانصال! هل هذا هو الواقع هناك؟ فأي كلام هذا الذي تقوله؟ أنت قدمت المجرمين بموجب هذا التفكير على أنهم أناس نزيهين لا يقصدون شرا!
(تم إجراء آخر تعديل على هذه المشاركة: 07-04-2010, 10:20 PM بواسطة Descartes.)
|