د. إقبال الغربي
لما برز وباء الايدز سنة 1980 في الولايات المتحدة الامركية سارع الفقهاء و الدعاة إلى تقديم التفسيرات العقابية لهذا الوباء الفتاك. ودعموا أطروحاتهم الغيبية بكون أن ملاحظات سرطان كابوزي الذي أدى إلى تشخيص أولى حالات الايدز كان يهم بالأساس مجموعات الشاذين جنسيا.
ولما ضرب زلزال تسو نامي جنوب شرقي آسيا عادت هذه التفسيرات الهاذية إلى الظهور حتى أن البعض صورت له هلوساته البصرية كلمة" الله "على موجات التسونامي.
وفي هذا الإطار النظري تصبح الأمراض و الأوبئة و الزلازل و كل الكوارث الطبيعية عقابا ينزله الله سبحانه و تعالى على العصاة و المرقة الذين تمردوا على طاعة الله. وتتحول هذه المصائب إلى سنة ألاهية سرمدية. فهكذا عذب الله قوم نوح و هكذا دمر الله مجموعة لوط وهكذا عاقب غيرهم ممن كفر بالله. وكذلك يفعل الله اليوم مع العصاة ليكونوا درسا لمن يعصي الله و رسوله.
إن التأويل العقابي الغيبي للكوارث الصحية و النكبات الطبيعية هو أطروحة تضليلية خطيرة تشيع الوعي الزائف وتتعارض مع منطقي العقل و النقل معا.
إن الله سبحانه و تعالى من أسمائه الحسنى انه العادل فهل من العدل أن يعاقب الله الصالح مع الطالح؟
نحن نعلم أن القران الكريم يركز على قيمة المسؤولية الإنسانية و على مبدأ فردية العقاب(ولا تزر وازرة وزر أخرى) فإذا كان العاصي يقضي نحبه في تلك النكبات عقابا له على ما جنت يداه فما ذنب الصالح الطائع الذي قد يذهب هو أيضا ضحية هذه الأوبئة أو هذه الكوارث الطبيعية التي لا تميز عند اجتياحها فئة دون أخرى. بل ما ذنب الأطفال الأبرياء الذين تحصدهم هذه المصائب العقابية؟
فإذا أخذنا نموذج وباء الايدز على سبيل المثال وجدنا أن لغة الأرقام تؤكد لنا أن أكثر الضحايا هم من النساء والأطفال الذين نقلت إليهم العدوى دون علمهم!!
وتشير احدث التقديرات إلى بعض الاتجاهات المثيرة للفزع. فقد بلغ عدد المصابين فبروس الايدز حتى كانون الأول عام 2003 سبعون مليون شخص توفي منهم 30 مليون وبقي 40 مليون أحياء يوجد فيهم 37 مليون راشد ومليوني ونصف طف ل.وضمن هذا العدد الضخم لا يوجد في أمركا سوى 950 ألف مصاب ولا نعثر في أوروبا سوى على 550 ألف حامل لفيروس الايدز. وهكذا تلاشت أسطورة أن الايدز خاصية من خاصيات الغرب المتحلل وأن الشرق الطاهر والنقي محصن أخلاقيا و سلوكيا ضده.
بل وتناقصت الإصابات في الولايات المتحدة و في أوروبا الغربية حيث أصبحت نسبة الزيادة 20 بالمائة فقط بينما تتزايد نسبة الإصابات في إفريقيا وفي العالم العربي بنسبة 300 بالمائة. وهنا نتبين بوضوح أن تطور هذا الوباء ليس حصيلة الفساد الأخلاقي و انتشار الدعارة وسلوك الزنا أو الجنسية المثلية كما يروج بعض المتاجرين بالدين والمتخصصين في فن التلاعب بالنفو، بل حصيلة درجة وعي المجتمعات بهذا المرض ومدى فكها لجدار الصمت والإنكار حوله. وتدل كل المؤشرات على أن المنطقة العربية أصبحت الآن أرضا خصبة لتفشي هذا الداء وأن معدل الإصابات الجديدة في المنطقة هو من أعلى المعدلات في العالم وهي إصابات تخلف وراءها الموت والانهيار الاقتصادي الكامل مع تضاؤل الفرص للتعافي. ولهذه الوضعية أسباب عدة نذكر منها: وصمة العار المحيطة بالايدز والفقر والأمية وغياب التربية الجنسية وضعف البنية التحتية الصحية وعدم المساواة المبنية على النوع الاجتماعي والتغيرات الديمغرافية الخ...
وقد بين احد الخبراء في هذا المجال أن بلداناً إسلامية، مثل إيران والسودان، تطبق الشريعة و تعمم تحجب النساء لسد باب الزنا والرذيلة وتمنع كل العلاقات الجنسية المحرمة وتعاقب مرتكبيها عقابا شديدا انتشر فيها رغم ذلك وباء الايدز انتشارا مفزعا حتى وصل عدد المصابين في كل منهما المليون مصاب.
ومن جهة أخرى يولد التفسير العقابي للكوارث الإنسانية مشاعر مدمرة نفسانيا مثل الإحساس بالشماتة والتشفي من ضحايا الأوبئة والنكبات. ومما لا ريب فيه أن هذا الإحساس يشوه إنسانية الفرد ويجفف ضميره الأخلاقي. فالإنسانية كما نعلم هي أساسا مكسب ثقافي و علائقي وهي تعريفا الشراكة مع الآخر في إنسانية واحدة والقدرة على فهمه وتفهمه والتماهي معه. إن التمادي مع منطق التفسير العقابي يوصلنا حتما إلى نتائج مضادة للقيم الدينية السمحاء. فهذا المنطق السادي الذي يتلذذ بأذى والم الآخرين سيدفعنا إلى الإحجام عن مد يد العون و المساعدة المادية والمساندة المعنوية لضحايا الكوارث لأنهم مجرد عصاة فجار يستحقون ما أصابهم. وبموجب هذه النظرة العقيمة و هذه التصنيفات الضيقة نُشيطِن الآخر ونجرده من حقوقه كانسان ويصبح بالتالي مسئولا عما يتعرض إليه من آلام و معاناة. بينما تؤكد القيم الدينية على أن الله سبحانه كرم كل البشر أيا كانت ظروفهم و خلفياتهم أو حالاتهم المرضية و أوصانا بالرفق بهم (من قتل نفسا بدون نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا و من أحياها فكأنما احيي الناس جميعا) المائدة 32.
و ينبهنا التفسير العقابي إلى مضامين معيارية موجودة في الافتراضات المسبقة الصامتة التي يتضمنها هذا الخطاب.
فالتفسير الغيبي العقابي الذي يمرره الفقهاء يشكل نوعا من التطبع على حد تعبير بورديو. فهو يساهم في بناء الحقل الاجتماعي وفي تشكل الفرد في ذات الوقت إذ يرسخ البني الاجتماعية السائدة في وعينا وفي لاوعينا ويجعلنا نقبلها و نعيد إنتاجها. ويحمل هذا التضليل الإعلامي رسالة واحدة وحيدة هي ضرورة قبول الواقع كما هو واستحالة التمرد عليه أو وضعه أمام محكمة العقل عملا بالقول المأثور:" من رأى الموت بعينيه يرضى بحياة المرضى والحمى الشديدة."
وفي هذا الصدد لا بد من التنبه إلى العوامل الاقتصادية و الاجتماعية الفاعلة في وقوع الكوارث الإنسانية وفي انتشارها.
فعلى المستوى البيئي، أدى منطق الربح المطلق إلى استنزاف الموارد البشرية والطبيعية وهو ما الحق بالكرة الأرضية التي تمثل الجسم اللاعضوي للإنسان دمارا مميتا. ولا شك أن لهذا العامل دورا جد مؤثرا في تراكم الكوارث الطبيعية.
وعلى المستوى الصحي تبين الإحصائيات أن أغلبية ضحايا الايدز هم من سكان العلم الثالث وذلك لارتفاع كلفة العلاج ولرفض شركات الأدوية التنازل عن أرباحها و تشجيع الأدوية البديلة.
فشركة ب.م.س باعت دواء "الستافودين" المضاد للايدز بمقدار 2300 مليون دولار في أمركا وأوروبا الغربية بينما لم تبع لإفريقيا الجنوبية سوى بمقدار ضئيل يقدر بستة مئة ألف دولار. و هنا يبرز انعدام المساواة بين المرضى في حق العلاج.(1)
ومما زاد الطين بلة سياسة الحكومات الإفريقية التي أنفقت في سنة 2000 وضمن اقتصاد الحرب والتبذير ستة مليارات من الدولارات لشراء الأسلحة الفتاكة ولم تنفق سوى 15 مليون دولار لمواجهة واحد من أعظم التحديات في العلم المعاصر ألا وهو وقف انتشار الايدز وعلاجه.(2)
ويقول الأستاذ لوك مونتنيى الطبيب الفرنسي الذي اكتشف فيروس الايدز: "كنا سذجا عندما اعتقدنا أن هذا الفيروس هو المسئول الوحيد عن تحطيم جسد الإنسان. والآن علينا أن نفهم العوامل الأخرى الفاعلة." نعم القاتل ليس فيروس الايدز الهش نسبيا بل نمط الحياة الذي نحياه والذي يتميز بتعميم التلوث وبسوء التغذية بحياة جنسية غير صحية انتشار المخدرات و الضغط النفسي وكثرة استعمال الأدوية الكيميائية واختزال الحياة في بعدها الآلي والحيواني الصرف. وكلها عوامل تضعف جهاز المناعة وتترك الفرد مضغة سهلة لكل هجوم ميكروبي أو فيروسي.
ahikbal@yahoo.fr
المصدر