اليوم سأعرض فكرة جديدة .. و لكنها لن تكون علمية جافة ، بل ستكون فكرة إنسانية ، و هي أيضا فكرة عملية سوف تسعدنا لو سعينا لتطبيقها .
...................................................
هل يتخلى التسامح عن عرشه ؟.
تحطمت السفينة و وراحت تغوص إلى الأعماق ، بينما حمل لوح طاف مستعمرة من النمل كانت ترقد في باطن السفينة . من المضحك أن فصائل النمل التي نجت بالكاد من الفناء راحت تتقاتل ..أيها شعب الله المختار ، الذي أنجاه من الطوفان و عقد معه ميثاقا ،و أورثه لوح الخشب بكل شقوقه و نتوءاته ( لسبب مجهول يصر النمل أن الله خلق الكون من أجله وحده !) . لم تمض سوى ساعات قليلة حتى أتت موجة عاتية فجرفت النمل بكل فصائله إلى الفناء .
لو امتلك النمل عقلا ما لأدرك كم هو حقير فما صال تيها و عربد ، وما بلغ به السفه كي لا يدرك أن الكون أجّل من أن يصنع للنمل .. أو للإنسان !!.
في رحلتنا الأبدية إلى المصير المحتوم ، سنجد حولنا مختلف أنواع النمل ( آسف الإنسان ) متعدد ألوانه و أديانه و سنستمع إلى جميع الأصوات ، و لكن من لا يتعلم كيف يقبل كل ذلك سيكون عليه أن يترك الرحلة مبكرا . إن التعصب الديني و العرقي ليس فقط ضعف في العقل و لكنه أيضا خلل في الأخلاق و انحراف في الضمير . بالله من الذي يختار منا دينه أو لونه و جنسه و قوميته ؟.فكيف نحاسب الآخرين عما ورثناه بلا إرادة .، بل هل الحماقة شيء مختلف عن هذا ؟.
إن الأحمق هو الذي يكره ، أما العاقل فيرفض أن يكره .
كان ابراهام لنكولن يعتقد:" أننا جميعا مسخرون في أيدي الأقدار و الوراثة ، التي تطبع الناس بطابعها ، و تلصق بهم هذا الطابع إلى الأبد "، أعتقد أن لنكولن كان محقا فلو ورثنا الخصائص الجسمية و العقلية و الثقافية التي يتميز بها أعدائنا فمن المرجح أن نكون مثلهم تماما ، ألا يدعونا ذلك أن نتوقف قليلا قبل أن نظن أننا على صواب مطلق و أننا الأخيار و أعدائنا هم أعداء الله .
عندما أدعوك إلى التسامح و نبذ الكراهية ، ليس من أجل أن تكون طيبا محبا للبشرية ،و لكن كي تكون حكيما و تحب نفسك . تحب نفسك إلى الحد الذي لا تتركها مسكنا للآخرين تعيش بهم و من أجلهم ، إن الكراهية الشديدة مثل الحب الشديد تفسد النفس ، هل تترك عدوك يمتلك مشاعرك ، هذا ما نفعله تماما عندما تتملكنا الكراهية و نغرق في التعصب ، قال برنارد شو :" هنالك اثنان يعبدان التمثال ، من يقدسه ومن يسعى لتدميره " . نعم هذا صحيح فكلاهما يعيش في إطاره ومن أجله .
عندما كان في السجن كتب نهرو لابنته انديرا :"إنني لا أترك الآخرين يفسدون صفاء روحي !" ، فلماذا لا نفعل مثل نهرو تلميذ غاندي النجيب . في كتاب لعلم النفس قرأت العبارة الآتية :"إذا سولت لقوم أنفسهم أن يسيئوا إليك ، فامح من نفسك ذكراهم ، ولا تحاول أبدا أن تقتنص منهم ، فلو أنك اخترت القصاص ، لآذيت نفسك اكثر مما تؤذيهم ". نعم إنني مقتنع بهذه النصيحة تمام الاقتناع ، إنني أرفض أن أترك عقلي و مشاعري على قارعة الطريق يدخلهما من يشاء ، فعندما أعود إلى نفسي أحب أن أجد من يستحق إن يعيش معي ، أريد أن أقرأ أفكارا في القمة ، أريد أن أشاهد شخصيات جميلة .. فولتير و برنارد شو و سلامة موسى و نزار قباني و إدوارد سعيد و نجيب محفوظ و أسرتي و أمي و المتنبي و جوته ،و لكني لا أريد أن أقرأ الدعاية الأمريكية ، ولا أجد أعداء الحياة معي ..لا شارون ولا بوش و لا مقتدى الصدر و أسامة بن لادن .
هل تعرف لماذا يدين معظم البشر بالإسلام و المسيحية و البوذية ؟.
حسنا لا تذهب بعيدا .. فقط لأن البشرية وجدت في تلك الأديان نظما أخلاقية تسعدهم و تفيدهم في حياتهم العملية ، فمن بالله يهتم بالآلهة ؟!.لماذا لا نتعلم إذا من هؤلاء الحكماء محمد و المسيح و بوذا و كونفشيوس الحكمة في هذه الحياة بدلا من السعي إلى نفاقهم من أجل الشفاعة ( الواسطة ) في الآخرة ؟.
تعودت أن استمع إلى قداس الأحد في إذاعة صوت العرب لسنوات طويلة ، و كنت أقضي أوقاتا جميلة أتأمل مواعظ الناصري البار ..
" أحبوا أعدائكم ،
،و باركوا لاعنيكم .
،و أحسنوا إلى مبغضيكم
، و صلوا من أجل الذين يسيئون إليكم و يضطهدونكم " .
هل تعتقد أن الطبيب النفسي يمتلك وصفة أفضل !.
إن الإسلام لا يذهب بعيدا هكذا ،و لكنه يعد بالجنة : " الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس " .موافق ..حسنا لا تبارك لاعنيك ولا تحب أعدائك فقط اعف عنهم و اكظم غيظك ، بل و انسهم جميعا ، أليسوا أعدائك فلم تسكنهم نفسك ؟!.
هل حقا تعتقد أن المسيحي لا يفكر سوى في تدمير الإسلام ؟
هل تعتقد أن كل ما يشغل المسلم السني هو تفجير نفسه أو قتلك و سلب أموالك ؟.
هل تعتقد أن شريكك الشيعي يدس لك السم في الطعام ؟
هل تظن البهائي يعبد الشيطان ،و أن الدرزي هو هذا الشيطان ؟
هل تعتقد أن اليهود هم فعلا أولاد القردة و الخنازير ؟
أنت إذا لا تعرف سوى القليل عن البشر ، الإنسان خير بطبعه و أفضل من ذلك كثيرا ، فقط السياسيون ورجال الدين و بعض أعضاء المنتديات هم الأشرار !.فلماذا لا ننظر للآخرين من جديد ، نظرة جديدة .
هل لك صديق سني أو شيعي ، هل لك جار مسيحي أو ملحد ، هل لك زميل في العمل أو الدراسة بهائي أو درزي ، هل يشاركك الحافلة هندوسي أو بوذي ؟
ماذا تنتظر كي تعيش هذه الحياة ؟. ابحث عنهم و حادثهم و أحبهم ،و دعهم يحبونك !.
لماذا لا نطبق تلك الحكمة الرائعة التي تنسب للرسول محمد :
" لا يكن أحدكم إمعة ، إن احسن الناس أحسن ،و إن أساءوا أساء ،و لكن وطنوا أنفسكم على أنه إذا أحسن الناس أن تحسنوا و إن أساءوا .. أن تتجنبوا إساءتهم !".
سيقول البعض بل هو أثر و ليس حديث ، حسنا فلنطبق هذا الأثر الجميل.
هل تريد أن تتعلم شيئا مفيدا بدلا من سفسطة دوائر الحوار؟.
تأمل معي هذا القول للممرضة البريطانية ( اديث كافل ) التي أعدمها الألمان لأنها داوت الجنود الإنجليز و الفرنسيين و يسرت لهم سبل الهرب . ومتى قالتها ؟.. ليلة إعدامها و هي تعترف لقس إنجليزي :
" إن الوطنية وحدها لا تكفي ، بل يجب أيضا ألا نحمل كراهية لمخلوق كائنا ما كان " .
لقد صنعوا تمثالا كبيرا لهذه السيدة ،و كان اسمها يتردد على لسان هدى شعراوي و هي تفتح صدرها للجنود الإنجليز و تدعوهم لإطلاق النار عليها في أول مظاهرة نسائية تشهدها سماء الشرق في 16 مارس 1919 ( ليصبح لمصر مس كافل) !.
لو تعلمت هذا الدرس فلن أضمن لك تمثالا يطل على متحف الصور الوطني في لندن ، ولا أن يردد الناس اسمك في أبعد المناطق عن بلادك ،و لكنك ستكون وطنيا حقيقيا و أيضا إنسانا كبيرا .
في كتابه الجميل ( قلوب و عقول ) ، يتحدث رجاء النقاش عن ( أبو الوليد محمد بن رشد 1126-1198 ) ، فيقول على لسانه عندما عاتبه أصدقائه على كرمه و إحسانه على أعدائه :" ليس الفضل في الإحسان إلى صديق لك تحبه و يحبك ، إنما الفضل في الإحسان الذي تقدمه إلى عدوك ... ". هل صنعوا لمثل هذا الرجل تمثالا ؟. نعم صنعوا و لكن بعد موته ب 800 سنة ، و أما في حياته فقد حاكموه وهو في 67 من عمره ،و حرقوا كتبه و نفوه لأنه حاول أن يكون عاقلا و نبيلا ،و لكنه ظل إلى النهاية يقاوم الظلم بدون أي حقد على أحد و يقول :" أنا رجل مسالم ،و لكني لست مستسلما !" .
وما أجمله من قول .
من أعظم الفضائل التي يتصف بها فرد أو شعب هي فضيلة التسامح ، بل أن التسامح ليس فقط فضيلة رائعة ،و لكنه أيضا وسيلة حضارية تقود الشعوب للنمو و الازدهار ، أما التعصب فهو قتل لروح الإنسان و تحطيم لقدرات الشعوب .