من سينتصر اميركا ام ايران
الغرور وجنون العظمة
----------------------------------------------------------
السبت 24 فبراير 2007
أحمد الجارالله
غرور القوة هو الذي يأخذ هذه الأيام بأفكار القيادة السياسية الإيرانية على شتى مراتبها. وهذا الغرور هو الذي يأتي في العادة لأنظمة الاستبداد الشمولية, فما بالنا بالنظام الإيراني الذي يبرر الاستبداد بالمعصومية الإلهية, وبالسلوك الإلهي?
لكن غرور القوة يبقى غروراً, واستعراضاته دائماً جوفاء, ونتائجه دائماً وخيمة. وربما لهذا السبب قالوا في الشعر »لله در الغرور ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله«. ومن هنا يبدأ التساؤل: كيف نفهم التحدي الإيراني للمجتمع الدولي, ورفض إيران الامتثال لقرارات وإنذارات مجلس الأمن الخاصة بالبرنامج النووي? وكيف نفهم ادعاء إيران بأن أعداءها في المنطقة قد أذعنوا لنفوذها, كما يقول المرشد خامنئي, وكيف نقتنع بأن الكلمة الأخيرة في الخليج أصبحت لإيران, وكيف نبتلع تهديدات أحمدي نجاد للقوى الكبرى بالفناء والشقاء إذا فكرت بمهاجمة الجمهورية الإسلامية?... إن كل هذه العضلات الإيرانية المفرودة تعني شيئاً واحداً وهو تجليات الغرور ومظاهره, والتي تساهم, مع الأسف الشديد, في خداع الشعب الإيراني المسكين ووضعه في صورة مغايرة تماماً, إذ إن إمكانات الدولة الإيرانية أقل بكثير مما تدعيه بدوافع غرور القوة, وخداع النفس.
المفروض الآن, وهذه من الأمنيات المثالية التي لا نتوقع حدوثها, أن تلتزم القيادة الإيرانية بمعايير القوة الحقيقية التي تمتلكها, وأن تتصالح مع المجتمع الدولي وتتوافق مع قوانينه, وأن لا تقف دائماً في وجه التيار بقصد استجداء الأهمية عن طريق المخالفة, أو استجلاب المخاطر عن طريق التحدي. نحن نعرف أن العقلاء في إيران لا صوت لهم هذه الأيام, وهؤلاء يعرفون, كما يعرف كل العالم حقيقة القوة الإيرانية, وحقيقة الديبلوماسية الإيرانية التي تعتمد الآن على التورية والتمويه وإبداء ما هو غير موجود من غرور القوة, فنحن الآن نعيش زمن التكنولوجيا العالية, وزمن الأقمار الصناعية الذي جعل السلوكيات كلها شفافة ومرئية, ومنع المتظاهرين بما ليس فيهم من قوة وسواها عناصر مكشوفة ومفضوحة, وقابلة للكسر.
إيران الآن تحت المجهر الدولي, ومهما أجرت من مناورات عسكرية, وادعت من امتلاك كل أنواع الذخائر والأسلحة والصواريخ, فإن ادعاءاتها لن تحسب بمقاييس الصدق لأن مثل هذه المسائل الخطيرة الآن قد أصبحت في متناول الأقمار الصناعية التي تراها وتحصيها, وتكشف من يدعي أنها فوق المتصور, وأكثر من التوقعات.
يبقى أن إيران, من وراء استعراضات القوة, والتهديدات اللفظية, تريد استدراج الخطر للمنطقة, على غرار ما فعله صدام حسين ذات يوم أسود, وانتهى به الأمر, نتيجة أعماله, إلى الاختفاء في حفرة, والانتهاء جثة تتدلى على حبل مشنقة... العيش على التوتر لا يكفي لإعطاء النظام جرعات إضافية من الحياة, وإذا كان النظام الإيراني يبغي, محتاجاً, مثل هذه الجرعات فإن الأمر لن يدوم به طويلاً حتى يصطدم بالحقائق, ويكتشف مدى خوائه, ومدى خداعه لشعبه, ومدى اقترابه من لحظات النهاية. إن التوتر الذي تتعمده إيران في المنطقة سيثير الحساسيات الكثيرة, كما سيفتح عليها ملفات تاريخية كبرى ستجعلها جزءاً من ثقافة دخيلة لا علاقة للمذاهب الإسلامية بها.
وفي كل الأحوال فإن أحداً هنا في المنطقة لا يريد أن تتعرض إيران للضربات العسكرية, ولا حتى للعقوبات الدولية. أما قولها بأنها لا تخاف, وستواجه الضربات, وأنها ستنتصر في نهاية الأمر, فهو قول مدرج في سياق غرور القوة الذي ينتابها الآن, وبالتالي فإن اكتمال أهدافها في الميدان العسكري لن يتحقق, أي أنها لن تنتصر كما تدعي, ولن تكون صاحبة الكلمة العليا في المنطقة.
بفضل الغرور الإيراني تحول الخليج إلى بحيرة مزدحمة بالأساطيل الحربية وبحاملات الطائرات, وهذه التحشيدات مجهزة بتكنولوجيا عالية تمكنها من الوصول إلى أهدافها وهي في الماء, فهل تستطيع إيران الصمود في هكذا ظرف عسكري صعب, وهل تستطيع بالتالي, واقعياً, أن تنتصر على أميركا كما تدعي وتقول?
إيران تبيع هذه المواويل والقصائد الزجلية على شعبها المسكين, وتحاول أن تأخذه معها إلى المحرقة من خلال ضمه إلى قوافل غرور القوة التي لا ينتهي بها المطاف إلا عند حدود الموت, ورغم ذلك, ورغم معرفة قيادتها السياسية بالمقدار الصحيح للقوة التي لديها, فإن هذه القيادة لا تزال مأخوذة بجنون العظمة وقوة الغرور, برغم علمها بالقول المأثور »لله در الغرور ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله«.
|