مصر .. ملف الإصلاح السياسي
في جريدة وطني الناطقة بإسم الأقباط قرأت المقالات التالية ..
هل هو ربيع الديموقراطية في الوطن العربي؟
د.سعد الدين إبراهيم:
كان إعلان الرئيس مبارك مبادرته لتعديل المادة 76 من الدستور المصري بحيث يكون اختيار الرئيس بالانتخاب الحر المباشر من بين أكثر من مرشح,خطوة عملاقة في مسيرة الألف ميل لتحقيق الديموقراطية في كل ربوع الوطن العربي فمنطقتنا هي الوحيدة في العالم,التي مازالت تهيمن عليها الأنظمة الاستبدادية,لدرجة أن علماء السياسة اشتقوا مصطلحا خاصا بنا هو الاستثنائية العربية وهو تعبير مهذب لمعنيالشذوذ السياسي كما لو كنا من طينة أو طبيعة بشرية مختلفة عن بقية شعوب الخليقة,فبين عامي 2004,1972 تحولت مائة بلد من أنظمة حكم استبدادية إلي أنظمة حكم ديموقراطية,ولم يكن في هذه القائمة الطويلة إلا بلدين عربيين هما المغرب والبحرين.
د.سعد الدين ابراهيم ولكن عام 2005 شهد بدايات تحول ديموقراطي في كل من فلسطين والعراق والسعودية ولبنان وها هي مصر توشك علي أن تدخل عملية تحول ديموقراطي حقيقي بتعديل دستورها الذي عفا عليه الزمن,وكان من أهم آليات استمرار الحكم الاستبدادي,علي امتداد خمسين عاما أن العراق وفلسطين والسعودية ولبنان ومصر هي بلدان عربية تشترك في اللغة والثقافة وعضوية الجامعة العربية ولكنها تختلف في كل شيء آخر-بدءا بحجم السكان والمساحة...وقاعدة الموارد ومستوي الثراء,وانتهاء بالتاريخ السياسي والتركيب الاجتماعي أو التنوع العرقي-ومع ذلك شهدت هذه البلدان العربية الأربع إما انتخابات نيابية (العراق),أو رئاسية(فلسطين) أو بلدية(السعودية) أو انتفاضة شعبية ضد الاحتلال الاجنبي حتي لو كان عربيا(لبنان),والانتخابات والانتفاضات الشعبية تحرك المياه الآسنة,تفجر طاقات كامنة,وتدفع بالمجتمع كله إلي الأمام,من حيث أنها توسع الفضاء السياسي,وتضفي علي سلطته نفوذا لجماعات جديدة,ربما ظلت محرومة من المشاركة في الشأن العام لسنوات,أو عقود,أو قرون طويلة.
لقد امتدت المطالبة بالإصلاح السياسي,نحو مزيد من الديموقراطية لعدة سنوات,وتحديدا منذ مؤتمر أزمة الديموقراطية في الوطن العربي,والذي عقد في ليماسول,قبرص عام 1983(أي منذ 22 عاما),ولكن الحكام العرب لم يعيروا هذه المطالب أي اهتمام بل أنكي من ذلك تعرض عدد من المشاركين في مؤتمر ليماسول للاضطهاد والتنكيل علي يد الأنظمة الحاكمة في بلدانها في ذلك الوقت,ولكن الصورة بدأت تتغير خلال العقد الأخير,وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وحربي الخليج الأولي والثانية وحرب العراق,حيث انكشفت الأنظمة الاستبدادية ولم تعد قادرة علي استغلال تنافس الكتلتين كما كان الحال خلال الحرب الباردة.ولم تعد حتي البلدان النفطية بينها قادرة علي الرشوة الجماعية لشعوبها,أو الوفاء بإشباع الحاجات الأساسية لهذه الشعوب.وقعت أحداث سبتمبر 2001فزادت من تفاقم الأوضاع الإقليمية العربية والشرق أوسطية.فقد خلصت الولايات المتحدة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر إلي أن الإسلاميين المتطرفين الذي قاموا بها أتوا أساسا من السعودية ومصر,رغم أن نظامي الحكم فيهما محسوبان عليها,وأن الاستبداد والفساد في البلدين,كما في غيرهما,هو الذي يؤدي إلي التطرف الديني,وبدأت أمريكا,ومعها أوربا,حملتها ضد الإرهاب من ناحية وضد الأنظمة المستبدة من ناحية أخري,واختارت أساليب متنوعة في هذه الحملة,ترواحت بين الأسلوب المسلح كما حدث مع طالبان في أفغانستان,ونظام البعث في العراق.واختارت أسلوب الحصار الاقتصادي والدبلوماسي والتلويح بالقوة مع الأنظمة الحاكمة في ليبيا والسودان وسوريا وإيران,واستخدمت أسلوب الضغط المعنوي والتلويح بحجب المساعدات العسكرية والاقتصادية علي الأنظمة الاستبدادية الصديقة لها مثل السعودية ومصر وتونس,من أجل تخفيف استبدادها وتبادر بإصلاحات سياسية ديموقراطية.
وهكذا ودون تخطيط مسبق أو تنسيق مشترك,التقت الضغوط الداخلية الأقدم مع الضغوط الخارجية الأحدث,لتجبر الأنظمة الاستبدادية العربية علي التحول الديموقراطي والإصلاح السياسي,وتعتبر الحالة المصرية هي آخر تجليات هذه التقاطع بين ضغوط الداخل وضغوط الخارج فالقوي المصرية الضاغطة علي النظام المصري من أجل الإصلاح ليست بالضرورة علي وفاق مع قوي الخارج وخاصة الأمريكية,بل ربما هي معادية لها لأسباب شتي,أهمها الدعم الأمريكي لإسرائيل,ومع ذلك التقت ضغوط الداخل مع ضغوط الخارج بشكل موضوعي علي النظام المصري,ووصلت هذه الضغوط إلي ذروتها في الشهور الأخيرة,فشهدت المدن المصرية مظاهرات احتجاجية سلمية تحت شعاركفاية,تنويها باستمرار حسني مبارك رئيسا لما يقرب من ربع قرن,ورافضة لخطة الحزب الوطني بإعادة ترشيحه لفترة رئاسية خامسة تمتد بحكمه إلي ثلاثين عاما,ورافضة للخطة البديلة بتوريث نجله الثاني جمال مبارك من بعده,وأصبح شعاركفايةعنوانا شعبيا جاذبا لحركة التغيير والإصلاح من الداخل,بل وأصبح الشعار الذي التقطته وتبنته الجماهير الشعبية اللبنانية في مظاهراتها تعبيرا عن حزنها وغضبها بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري,والذي اتجهت أصابع الاتهام فيه إلي نظام البعث الحاكم في سورية,وكفاية المصرية هي رفض لتجديد أو تمديد أو توريث الحكم وكفاية اللبنانية هي رفض للوجود السوري المسلح علي الأراضي اللبنانية,والذي جاء بداية عام 1986,للمساعدة علي حفظ الأمن الداخلي اللبناني خلال الحرب الأهلية,ولكنه استمر حتي بعد انتهائها باتفاق الطائف 1989,فاعتبر معظم اللبنانيين هذا الوجود العسكري احتلالا سوريا غير مرغوب ويرفضون استمراره,وانفجر صبر اللبنانيين بعد اغتيال الحريري,ووجدوا في شعاركفاية تعبيرا سلميا بليغا عن حالة الرفض التي يشعرون بها نحو الجار السوري الذي تجاوز كل حدودالجوار الصالحفأصبح جوارا طالحا
وكما تزامن الرفض اللبناني الداخلي للوجود السوري مع ضغط أمريكي-فرنسي لهذا الوجود,فإن سمة تزامنا مشابها بين الضغوط المصرية الداخلية علي النظام مع الضغوط الخارجية التي تقودها الولايات المتحدة علي نفس النظام,وجاءت قضيةد.أيمن نور رئيس حزب الغد,لتكون مثل القشة التي قصمت ظهر البعير,فتجريد نائب في مجلس الشعب من حصانته البرلمانية في جلسة عاجلة,وبلا مقدمات,والقبض عليه,وإيداعه السجن,بلا كفالة,لمدة 45يوما,اعتبرته الدوائر الغربية عموما والأمريكية خصوصا,تحديا سافرا من النظام المصري لمبادرة مجموعة الثمانيةوللرئيس الأمريكي جورج بوش,الذي جعل الديموقراطية والحرية في الشرق الأوسط,حجر الزاوية في سياسته الخارجية,خلال فترة رئاسته الثانية,وقد عبرت كل افتتاحيات الصحف الأمريكية عن الغضب لحبس د.أيمن نور,والذي لم يكن معروفا لدي الرأي العام الأمريكي إلا بعد القبض عليه وحبسه.وكان لابد والحال كذلك أن تصعد إدارة الرئيس بوش من ضغوطها علي النظام المصري.وتجلي ذلك في المؤتمر الصحفي المشترك بين وزيرة خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس وقرينها المصري أحمد أبو الغيط,أثناء زيارة هذا الأخير للعاصمة الأمريكية في منتصف فبراير 2005,ثم تأجيل الاجتماع المشترك لوزراء خارجية مجموعة الثمانية وأقرانهم العرب,والذي كان مقررا أن تستضيفه القاهرة في أوائل شهر مارس,وأصبح الضغط الأمريكيي-الأوربي من أجل الإفراج عن أيمن نور مناسبة لتجديد وتوسيع الضغط من أجل الإصلاح السياسي الشامل والذي يبدأ بتعديل الدستور,وهكذا وجد النظام المصري نفسه بين فكي كماشة من الداخل والخارج.ولم تعد تسعفه الأعذار والحجج المعتادة لتأجيل الإصلاح السياسي,وهي:أولوية الإصلاح الاقتصادي,وأولوية المسألة الفلسطينية,والخوف أو التخويف من البعبع الإسلامي,وفي هذا السياق الذي اكتمل بالمشاهد الانتخابية في فلسطين والعراق والسعودية كان لابد للنظام المصري أن يجد مخرجا فجاء ذلك بإعلان الرئيس مبارك عن مبادرة تعديل المادة 76من الدستور,ورغم إيجابية المبادرة فإنها قاصرة عما تطالب به المعارضة الرسمية وحركة كفاية الشعبية-وهو تحديد مدة الرئاسة بفترتين علي الأكثر,وإلغاء حالة الطوارئ,وإنهاء احتكار الدولة(أي الحزب الوطني)لوسائل الإعلام,واستعادة القضاء المصري لاستقلاله الكامل.
نقول في النهاية أن ما يحدث في أقطار الوطن في هذه الأيام هي رياح معتدلة أقرب إلي نسائم الربيع,لقد اختفت مصطلحات مثلالثورةوالانقلاب والتغبير الجذري لتحل محلها مصطلحات أكثر ليونة مثلالإصلاحوالتطوروالتحول.وهذه كلها سمات نضج مجتمعي عام,فهل هذه النسائموهذاالنضجوالاعتدال هي بودار ربيع للديموقراطية في الوطن العربي؟نرجو أن يكون الأمر كذلك,وأن نعمل علي أن يكون فعلا كذلك.
|