ما هي أسباب القول بتحريف الكتاب المقدس ؟
وما هو إنجيل المسيح ؟ هل نزل عليه ، أم كُتب عنه ؟
1 – ما هو التحريف وما معناه ؟
تعني كلمة تحريف في أي كتاب مقدس تحريف الكلام بمعنى تفسيره على غير معناه بدون دليل وإعطائه معنى يخالف معناه الحقيقي . ويعني اصل التحريف في اللغة تبديل المعنى . والتحريف اصطلاحاً له معانٍ كثيرة منها : التحريف الترتيبي : أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر . ومنها تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه ، وهذا يشمل التفسير بالرأي ، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف . ومنها تحريف اللفظ : وهو يشمل كل من الزيادة أو النقص ، والتغيير والتبديل .
أولاً : التحريف بالزيادة : بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا ليس من كلام الكتاب الأصلي .
1- الزيادة في الآية بحرف أو اكثر .
2- الزيادة في الآية بكلمة أو أكثر .
3- الزيادة في جزء من الكتاب .
4- الزيادة في مجموع الكتاب .
ثانيأً : التحريف بالنقص : بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا لا يشتمل على جميع ما كتبه الأنبياء بالروح ، بأنْ يكون قد ضاع بعضه
إمّا عمداً ، أو نسياناً ، وقد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمةً أو آية أو جزءاً من الكتاب .
1- النقص في الآية بحرف أو اكثر .
2- النقص في الآية بكلمة أو اكثر .
3- النقص في جزء واحد .
4- النقص في مجموع الكتاب .
أي التحريف في تبديل كلمة بدل أخرى ، التحريف في تبديل حرف بآخر ، التحريف في تبديل حركة بأخرى .
هذا معنى التحريف وأقسامه كما عرفها وبينها علماء المسلمين . والسؤال هنا هو : هل ينطبق معنى التحريف هذا على أسفار الكتاب المقدس ؟ وأن كان البعض يتصور ويزعم حدوث ذلك فهل يستطيع الإجابة على الأسئلة التالية ؟
(1) متى حُرف الكتاب المقدس ؟ وفي إي عصر تم التحريف ؟
(2) هل تم التحريف قبل القرن السادس الميلادي أم بعده ؟
(3) من الذي حرف الكتاب المقدس ؟
(4) أين حُرف الكتاب المقدس ؟ وفي أي بلد من بلاد العالم ؟
(5) لماذا حُرف الكتاب المقدس ؟ وما هو الهدف من ذلك ؟
(6) هل يستطيع أحد أن يقدم دليلاً تاريخياً على هذا الزعم ؟
(7) أين نسخة الكتاب المقدس الغير محرفة ؟ وما هي النصوص التي حُرفت ؟ وكيف تستطيع أن تميز بين ما حرف وما لم يحرف ؟
(8) كيف تم التحريف ؟ وهل كان في إمكان أحد أن يجمع جميع نسخ العهد القديم والتي كانت موجودة مع اليهود أو المسيحيين ، و جميع أسفار العهد الجديد التي كانت منتشرة في عشرات الدول ومئات المدن وألوف القرى ، سواء التي كانت مع الأفراد في المنازل أو التي كانت في الكنائس ، ثم يقوم بتحريفها وإعادتها إلى من أُخذت منهم ؟
2 – أسباب القول بتحريف الكتاب المقدس :لم يقل أحد قط من المسيحيين سواء من المستقيمين في العقيدة أو الهراطقة بتحريف الكتاب المقدس عبر تاريخ الكتاب المقدس والمسيحية . وبرغم ظهور الفرق المسيحية المختلفة ، سواء في القرون الأولى أو في العصور الحديثة ، وظهور البدع والهرطقات عبر تاريخ المسيحية ، واختلافها وتباينها في الفكر والعقيدة حول شخص وطبيعة الرب يسوع المسيح ، فلم تقل فرقة واحدة أو مجموعة من المجموعات بتحريف الكتاب المقدس .
وقد كان كل من رجال الكنيسة والهراطقة علماء في الكتاب المقدس ، وقد درسوا كل كلمة فيه وحفظوها عن ظهر قلب وكان لدى كل منهم نسخته الخاصة من الكتاب المقدس . وبسبب هؤلاء الهراطقة فقد عُقدت المجامع المكانية والمسكونية ودارت فيها مناقشات حامية حول مفهوم كل منهم لآيات نفس الكتاب المقدس الواحد ، فقد اختلفوا حول تفسير بعض آياته ومفهوم كل منهم لها ، وجعل بعضهم آياته تخدم أفكاره الخاصة ، ولكنهم جميعاً آمنوا بوحي واحد لكتاب مقدس واحد معصوم من الخطأ والزلل .
كما لم يقل أحد من اليهود بتحريف الكتاب المقدس ، وكان قد أنضم إلى المسيحية المئات من كهنة اليهود في السنوات الأولى للبشارة
بالإنجيل ، يقول الكتاب " وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدا في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان " (أع7:6) . كما دارت مناقشات حامية بين اليهود والمسيحيين حول ما جاء عن المسيح من نبوات في العهد القديم آمن بسببها الآلاف منهم بالمسيحية ؛ " فدخل بولس إليهم حسب عادته وكان يحاجهم ثلاثة سبوت من الكتب ، موضحا ومبينا انه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات . وان هذا هو المسيح يسوع الذي أنا أنادى لكم به . فاقتنع قوم منهم وانحازوا إلى بولس وسيلا " (أع2:17-4) .
ومن اشهر المناقشات التي دارت في القرن الثاني الحوار الذي دار بين يوستينوس الشهيد وتريفو اليهودي ، واعتماد كل منهم على آيات نفس الكتاب المقدس الواحد ، ولم يتهم أحد منهما الآخر بتحريف الكتاب المقدس إنما اختلفا في التفسير والتطبيق .
وبرغم ظهور آلاف الترجمات للكتاب المقدس فقد تُرجمت جميعها من النص الأصلي ، العبري والآرامي الذي كتب به العهد القديم ، واليوناني الذي كتب به العهد الجديد ، ولدينا له مخطوطات ترجع لأيام الرب يسوع المسيح وأيام رسله الأطهار .
فمن الذي قال بتحريف الكتاب المقدس وأدعى هذا الإدعاء غير الصحيح وغير المنطقي والذي لا يتفق لا مع المنطق ولا مع العقل ولا مع الحقائق التاريخية ؟ والإجابة هي أن هذا الإدعاء جاء كمحاولة لإيجاد مخرج للخلاف القائم بين العقائد الجوهرية لكل من المسيحية والإسلام ! ومن ثم فلم يقل أحد بتحريف الكتاب المقدس قبل العصور الوسطى وانتشار الإسلام في الأوساط المسيحية في العصور الوسطى وذلك للأسباب التالية :
1 – شهادة القرآن للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد (التوراة والزبور [ المزامير ] والإنجيل) على أنه كلمة الله الموحى بها وأنه هدى ونور ، ولكن وجود اختلاف في العقائد الجوهرية بينهما أدى إلى القول بتحريف الكتاب المقدس !
2 – الاعتقاد بأن الكتاب المقدس بشر بنبي آخر يأتي بعد المسيح وعدم وجود ذكر لهذه البشارة المفترضة في الكتاب المقدس بعهديه . وأن كان البعض قد لجأ لتطبيق بعض النبوات التي تنبأ بها أنبياء العهد القديم عن شخص المسيح الآتي والمنتظر ، وكذلك إعلان الرب يسوع المسيح لتلاميذه عن إرسال الباراقليط الروح القدس عليهم في يوم الخمسين ، على أنها هي البشارة التي قيل عنها !
أنظر مقالنا:
الباراقليط هل هو الروح القدس أم إنسان نبي ؟
http://www.nadyelfikr.net/viewthread.php?f...&tid=17380&sid=
وأيضا مقالنا:
من هو النبي المثيل بموسى؟
http://www.nadyelfikr.net/viewthread.php?f...&tid=17333&sid=
3 – الاعتقاد بأن الإنجيل الذي نزل على المسيح هو إنجيل واحد لا أربعة ، وأنه ليس أسفار العهد الجديد التي كتبها تلاميذه ورسله .
4 – الاختلاف حول عقيدة صلب المسيح وفدائه للبشرية بتقديم ذاته فدية عن خلاص العالم كله والتي هي محور الكتاب المقدس بعهديه " فان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله " (1كو18:1) .
أنظر مقالنا :
ما هي حقيقة قوله " وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ " ؟
http://www.nadyelfikr.net/viewthread.php?f...&tid=17539&sid=
5 – الاختلاف حول عقيدة لاهوت المسيح وظهوره في الجسد ووحدته مع الآب والروح القدس ، وبالتالي عقيدة وحدانية الله الجامعة ، الآب والابن والروح القدس ، كالموجود بذاته = الآب ، والناطق بكلمته = الابن ، والحي بروحه = الروح القدس .
أنظر مقالنا :
كيف يكون المسيح إله حق وإنسان حق في آن واحد ؟
http://www.nadyelfikr.net/post.php?action=...opic&fid=5&sid=
6 – وذلك إلى جانب بعض الاختلافات الأخرى سواء العقيدية أو التشريعية مثل طبيعة الحياة فيما بعد الموت ، في العالم الآخر " لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء " (مت30:22) ، وقيام المسيحية على أساس الحب بلا حدود ولا قيود ، محبة الأخوة بعضهم لبعض " وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا . كما أحببتكم أنا تحبون انتم أيضا بعضكم بعضا " (يو34:13) ، ومحبة الأقرباء ، " تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك وقريبك مثل نفسك " (لو27:10) ، بل ومحبة الأعداء " وأما أنا فأقول لكم احبوا أعداءكم . باركوا لاعنيكم . احسنوا إلى مبغضيكم . وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " (مت44:5) .
والسؤال الآن مرة أخري ؛ هل الكتاب المقدس كتاب معصوم أم كتاب محرف ؟ وهل الإنجيل واحد أم أربعة ، أم هو كل أسفار العهد الجديد ؟
وللإجابة على ذلك علينا أن نتتبع الكتاب المقدس من البدء ؛ كيف أعلن الله عن ذاته للبشرية ، وكيف أوحى لأنبيائه ورسله بروحه القدوس ، وكيف كتبت أسفار الكتاب المقدس ، وكيف نقلت عبر تاريخ اليهودية والمسيحية وحتى اليوم . [COLOR]
[COLOR=Red]3 – كيف كتب الكتاب المقدس بعهديه :
اختار الله منذ البدء بعض الأشخاص التي رأت حكمته الإلهية ومشورته وعلمه السابق أن يكونوا وسطاء بينه وبين البشرية ليحملوا إعلاناته الإلهية ورسالته لها ، وذلك دون أن يكون لأي منهم أي دخل في هذا الاختيار الإلهي . فقد اختار الله إبراهيم أبا الآباء ودعاه ليخرج من أرضه ويترك أهله وعشيرته ليذهب إلى الأرض التي يريه وقطع له عهدا أبديا أن بنسله الذي يخرج من صلبه تتبارك جميع أمم الأرض " وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك
إلى الأرض التي أريك . فأجعلك أمة عظيمة وأباركك واعظم اسمك وتكون بركة . وأبارك مباركيك ولاعنك العنه . وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض . فذهب إبرام كما قال له الرب " (تك1:12-4) . كما أختار موسى وقال له " هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر . فقال موسى من أنا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر . فقال (الله) أني أكون معك " (خر12:3) . وقال لارميا " قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك . جعلتك نبيا للشعوب " (ار4:1) ، وقال عاموس النبي عن اختيار الله له " لست أنا نبيا ولا أنا ابن نبيّ بل أنا راع وجاني جميّز . فأخذني الرب من وراء الضأن وقال لي الرب اذهب تنبأ لشعبي إسرائيل " (عا14:7) .
ثم أعد الله هؤلاء الأنبياء والرسل الذين اختارهم وحل عليهم بروحه القدوس وتكلم بواسطتهم وعلى لسانهم ، كما يقول داود النبي والملك بالروح " وحي داود بن يسّى ووحي الرجل القائم في العلا مسيح اله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو . روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني " (2صم1:23و2) . وقال القديس بطرس بالروح " لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس " (2بط21:1) . ومن ثم يقول الكتاب أن الأنبياء تكلموا بالروح القدس " لان داود نفسه قال بالروح القدس " (مر36:12) . " وكان قد أوحي إليه (سمعان) بالروح القدس انه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب " (لو26:2) . " وقام واحد منهم اسمه اغابوس وأشار بالروح أن جوعا عظيما كان عتيدا أن يصير على جميع المسكونة "(أع28:11)، " كان بولس منحصرا بالروح وهو يشهد لليهود بالمسيح يسوع " (أع5:18). " وكان (ابولوس) وهو حار بالروح يتكلم ويعلّم بتدقيق ما يختص بالرب " (أع25:18)، " حسنا كلم الروح القدس آباءنا باشعياء النبي "(أع25:28) .
وأن الله تكلم بفم أنبيائه " كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر " (لو70:1) . " كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود " (أع16:1) ، " أزمنة رد كل شيء التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر" (أع21:3). كما استخدمت عبارة " ما قيل بالنبي " أو " بالأنبياء " ؛ " وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل " (مت22:1؛15:2)، " حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل " (مت17:2)، " لكي يتم ما قيل بالأنبياء " (مت23:2) ، " لكي يتم ما قيل باشعياء النبي القائل " (مت 14:4؛17:8؛17:12)، " أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل " (مت31:22).
وقد تكلم الله من خلال أنبيائه بطرق الإعلان الإلهي المتنوعة سواء عن طريق الظهورات الإلهية والحديث المباشر مثلما حدث مع إبراهيم ، والحديث المباشر "فما لفم " كما حدث مع موسى النبي ، أو بحلول الروح القدس على النبي والنطق بفمه وعلى لسانه ، أو من خلال الرؤى والأحلام الإلهية ، أو من خلال الظهورات الملائكية كما حدث مع زكريا الكاهن والعذراء القديسة مريم " الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه " (عب1:1و2) .
وفي الوقت المعين حث الله بروحه القدوس هؤلاء الأنبياء والرسل على تدوين وكتابة كلمة الله ووحيه الإلهي ، الذي سبق أن نطقوا به وأعلنوه وسلموه لمعاصريهم وحفظوه شفوياً ، في أسفار بناء على أمر الله لتبقى لجميع الأجيال حتى المجيء الثاني ونهاية العالم . " فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكارا في الكتاب " (خر14:17) ، " وقال الرب لموسى اكتب لنفسك هذه الكلمات " (خر27:34) ، " فكتب موسى جميع أقوال الرب " (خر4:24) . " وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة " (تث9:31) ، " وكتب يشوع هذا الكلام في سفر شريعة الله "(يش26:24)،
" فكلم صموئيل الشعب بقضاء المملكة وكتبه في السفر ووضعه أمام الرب " (1صم25:10) .
ويقول اشعياء النبي بالروح " تعال الآن اكتب هذا عندهم على لوح وارسمه في سفر ليكون لزمن آت للابد إلى الدهور " (اش8:30) . ويقول ارميا النبي " هكذا تكلم الرب اله إسرائيل قائلا اكتب كل الكلام الذي تكلمت به إليك في سفر " (ار2:30)، " خذ لنفسك درج سفر واكتب فيه كل الكلام الذي كلمتك به على إسرائيل وعلى يهوذا وعلى كل الشعوب " (ار2:36)، " فدعا ارميا باروخ بن نيريا فكتب باروخ عن فم ارميا كل كلام الرب الذي كلمه به في درج السفر " (ار4:36) .
وقد كتبوا جميعاً وهم " محمولين بالروح القدس " ، " مسوقين من الروح القدس كما يقول الكتاب " وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم عالمين هذا أولا أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس " ( 2بط19:1-21) . وعبارة " كل نبوة الكتاب " حرفياً هي " كل نبوة الكتاب المقدس " فالكلمة المترجمة كتاب هنا هي " جرافيس - graphis " وتعنى " الأسفار المقدسة ، الكتاب المقدس - scripture " . أي أن كل الكتاب المقدس ، كل ما كتبه الأنبياء في الكتاب المقدس ، كل نقطة وكل حرف وكل كلمة وكل عبارة وكل جملة وكل فقرة وكل فصل ، إصحاح ، وكل سفر ، كل الكتاب المقدس ، كتبه الروح القدس بواسطة ، عن طريق ، أناس الله القديسين ، الأنبياء والرسل ، محمولين بالروح القدس ، فقد كانوا في حالة تسليم كامل بالعقل والإرادة للروح القدس المهيمن ، الذي تكلم على لسانهم وبأفواههم ودون كتابه المقدس بأقلامهم ، فالكتاب المقدس هو كلمة الله ووحيه الإلهي .يقول القديس بولس بالروح " كل الكتاب هو موحى به من الله " (2تي16:3) . والنص الحرفي لهذه الآية هو " كل الأسفار المقدسة هي ما تنفس به الله - All Scripture is God – breathed " ، أي أن كل كلمة في الأسفار المقدسة هي ما تنفس به الله في أسفاره المقدسة ، كتابه المقدس .
4 – إنجيل واحد أم أربعة أناجيل ؟
يتصور البعض أن الإنجيل نزل على المسيح من السماء عن طريق ملاك أو بطرق الوحي المتنوعة " لفظاً ومعنى " ، ويزعم أن هذا الإنجيل هو إنجيل واحد ؛ إنجيل المسيح (عيسى) ! وأنه مفقود ، وأن الأناجيل الأربعة وبقية العهد الجديد ما هي إلا أحاديث للمسيح وسيّر ذاتية له كُتبت بأقلام البشر ، من تأليف تلاميذه أو غيرهم ، وليس وحي منزل من السماء ، وبالتالي فلا يعتد بها !!
وهذه الأقوال تعبر عن عدم فهم لشخص المسيح وطبيعة رسالته ، وسوء فهم لكلمة إنجيل ذاتها . فكلمة إنجيل في اللغة اليونانية والعهد الجديد هي " euangelion - ايفانجليون " ومعناها البشارة المفرحة أو الخبر السار Good News . ويرادفها في اللغة العبرية " بشارة " أو " بشرى " وقد وردت في العهد القديم بمعنى البشارة أو البشرى بأخبار سارة أو المكافأة على أخبار سارة . ويرادفها في اللغة العربية أيضاً " بشارة " كما تنطق أيضاً " إنجيل " .
[COLOR=Red]وهذا الإنجيل ليس مجرد رسالة حملها المسيح إلى العالم بعد أن نزلت عليه من فوق وليس هو نصوص نزلت عليه من السماء ، وليس وحياً أوحى إليه أو رؤيا رآها أو حلماً حلم به ، ولا هو رسالة سمائية نقلت إليه بواسطة ملاك من السماء ولا كان بينه وبين الله وسيط من أي جنس أو نوع من السماء سواء عن طريق الوحي الإلهي أو بواسطة ملاك أو في حلم أو في رؤيا أو بوسيلة أخرى كما حدث مع أنبياء العهد القديم ، وإنما هو شخص وعمل وتعليم الرب يسوع المسيح نفسه " جميع ما أبتدأ يسوع يفعله ويعلم به إلى اليوم الذي أرتفع فيه " (أع1:2) ، فالمسيح ذاته هو الرسالة ، محورها وجوهرها ، هدفها وغايتها ، كما أنه هو أيضاً حاملها وباعثها ومقدمها إلى العالم .
+ " في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ، ... والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا 000 الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر " ( يو1:1،14،18) .
+ " ويدعى اسمه كلمة الله " ( رؤ13:19) .
+ " بالمسيح قوة الله وحكمة الله " (1كو24:1) .
+ " المسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله " (1كو30:1) .
+ " المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم " (كو3:2) .
+ " المسيح الذي هو صورة الله " (2كو4:4) .
+ " الذي هو صورة الله غير المنظور " (كو15:1) .
+ " الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته " (عب3:1) .
+ وكما يقول هو عن نفسه " وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء " (يو13:3) .
+ " لأني قد نزلت من السماء " (يو38:6) .
+ " أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء " (يو51:6) .
وقال عنه القديس بولس بالروح : " الذي نزل هو الذي صعد أيضا فوق جميع السماوات لكي يملا الكل " (اف10:4) .
وقد كلمنا الله به وفيه ومن خلاله مباشرة " الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة . كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شئ الذي به أيضاً عمل العالمين الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته "(عب1:1-4).
وكان قد وعدهم ، في الليلة الأخيرة قبل الصليب ، بأن يرسل لهم الروح القدس ليمكث فيهم ومعهم إلى الأبد ويعلمهم كل شيء ويذكر بكل ما عمله وعلمه الرب يسوع المسيح ويخبرهم بالأمور الآتية ويرشدهم إلى جميع الحق :
+ " وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد . روح الحق الذي لا يستطيع العالم ان يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه . وأما انتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم " (يو16:14و17) .
+ " وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم " (يو26:14) .
+ " ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي . وتشهدون انتم أيضا لأنكم معي من الابتداء " (يو26:15) .
+ " وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق 000 ويخبركم بأمور آتية " (يو13:16) .
+ كما يتكلم على لسانهم " أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون . لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به . لأن لستم انتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم " (مت19:10و20) .
أنظر مقالنا:
الباراقليط هل هو الروح القدس أم إنسان نبي ؟
http://www.nadyelfikr.net/viewthread.php?f...&tid=17380&sid=
+ " بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا لان لستم انتم المتكلمين بل الروح القدس " (مر11:13) .
+ " لان الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه " (لو12:12) .
+ " لأني أنا أعطيكم فماً وحكمةً لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها " (لو15:21) .
ثم أكد عليهم بعد قيامته أن يبدءوا البشارة بالإنجيل بعد أن يحل الروح القدس عليهم وليس قبل ذلك " وها أنا أرسل إليكم موعد أبي . فأقيموا في مدينة أورشليم إلى ان تلبسوا قوة من الأعالي " (لو49:24) ، وقبل صعوده مباشرة قال لهم " لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى أقصى الأرض " (أع8:1) .
وبعد حلول الروح القدس عليهم حمل تلاميذ المسيح ورسله الإنجيل ، البشارة السارة والخبر المفرح للعالم كله وكان الروح القدس يعمل فيهم وبهم ويوجههم ويقودهم ويرشدهم ويتكلم على لسانهم وبفمهم ؛ " فقال الروح لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة " (أع29:8) ، " وبينما بطرس متفكر في الرؤيا قال له الروح " (أع19:10) ، " فقال لي الروح أن اذهب " (أع12:11) ، " وأشار بالروح " (أع28:11) ، " لم يدعهم الروح " (أع7:16) ، " كان بولس منحصرا بالروح وهو يشهد لليهود بالمسيح يسوع " (اع15:22) ، " كان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب " ، (أع25:18) . ويستخدم القديس يوحنا في سفر الرؤيا عبارات " كنت في الروح في يوم الرب " (رؤ10:1) ، " من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس " (رؤ17:2) ، " صرت في الروح " (رؤ2:4) ، " يقول الروح " (رؤ13:14) ، " فمضى بي بالروح " (رؤ3:17) ، " وذهب بي بالروح " (رؤ10:21) .
وهكذا كرز التلاميذ وبشروا بالإنجيل للمسكونة كلها يقودهم الروح القدس ، وكان جوهر رسالتهم وشهادتهم هو " الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة . فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا . الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا . وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح 000 ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا " (1يو1:1-4) .
5 – أقوال القرآن عن الإنجيل ووحي التلاميذ الحواريين :
وبعد كرازة الرسل وبشارتهم بالإنجيل الشفوي دوّن أربعة منهم الإنجيل في أربعة أماكن مختلفة لأربع فئات مختلفة ، فقد كتب القديس متى الإنجيل لليهود وكتب القديس مرقس للرومان وكتب القديس لوقا لليونانيين وكتب القديس يوحنا للكنيسة الجامعة في كل العالم . وقد تسمى كل واحد منها باسم كاتبه . وكان هذا هو الإنجيل المكتوب من أربع وجهات متنوعة ، وهو الذي انتشر في كل أنحاء العالم . ولم يظهر في الوجود كتاب يسمى بالإنجيل الذي نزل على المسيح ، ولم تعرف الكنيسة المسيحية والعالم أجمع سوى هذا الإنجيل بأوجهه الأربعة وبقية أسفار العهد الجديد ، كالإنجيل الواحد .
وعندما جاء القرآن في القرن السابع وبعد مرور ستة قرون على انتشار الإنجيل كما كتبه التلاميذ الأربعة ، لم يقل أن الإنجيل الأصلي فُقد وأن هذه الأناجيل ليست هي الإنجيل الذي نزل على المسيح ، بل تكلم عن الإنجيل الموجود بالفعل مع المسيحيين في أيامه الذي فيه هدى ونور ، وطلب من المسيحيين أن يحكموا بما جاء فيه ، ويقول أن الله جعل في قلوبهم رأفة ورحمة :
" وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ َيدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ " (المائدة 45) .
" وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " (المائدة 46) .
" ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً " (الحديد 26) .
كما تكلم عن الحواريين باعتبارهم أنصار الله وأن الله كان يوحي إليهم كما يوحي إلى بقية الأنبياء ، وأنهم آمنوا بالمسيح وصدقوه وكانوا شهوداً على معجزاته وأعماله التي صنعها أمامهم :
" فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " (آل عمران 51و52) .
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ " (الصف 13) .
" وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ . إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِن الشَّاهِدِينَ " (المائدة 110 – 113) .
فهل كان يمكن أن يتكلم القرآن بهذا الأسلوب عن كتاب محرف أو من تأليف البشر ؟ وإذا كان قد تكلم عن الحواريين باعتبارهم أنصار الله الذين آمنوا بالمسيح بناء على وحي من الله ذاته ، وأنهم كانوا شهوداً للمسيح ، فهل يمكن أن يقال أن هؤلاء الرجال الموحى إليهم قد جمعوا ودونوا الإنجيل بدون وحي ؟!!
الراعي عمانوئيل