تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
سجال حول رواية سمر يزبك «لها مرايا» ... الواقع السوري بوجهه الأسطوري
#1
سجال حول رواية سمر يزبك «لها مرايا» ... الواقع السوري بوجهه الأسطوري
الاربعاء, 15 سبتمبر 2010
091501b.jpg
محمد برادة
Related Nodes:
091501b.jpg

في مقال للروائي والناقد الصديق نبيل سليمان، نشرته «الحياة» (1/9/2010)، عن رواية سـمر يزبـك «لها مرايا» (دار الآداب، 2010)، يطغى حسُّ المحاسبة والتنقيب عن ما يعتبره ثغرات، من دون احتفاء بمميزات النص وجاذبيته القرائية وإيحاءاته المثيرة للتأمل. ويظهر أن مسألة «مرجعية» رواية «لها مرايا» قد استأثرت باهتمام الناقد وجعلته يستحضر نصوصاً لها المرجعية نفسها المحيلة على الطائفة العلوية في سوريا، منـقاداً مع الأبعاد السياسية والإيديولوجية، غافلاً الرؤية المركبة التي نسجتْ خيوطها سمر يزبك مـُـتخذة من المرجعية فضاء يتعدى واقعيـتـه إلى مستوى تـخييلي ذي أبعاد مأسوية.

وقبل أن أناقش العلاقة بين «المرجعية» و«التمثيل الفني» و«التخييل»، أقترح عناصر أخرى للقراءة انطلاقاً من مكونات النص وشكله، تـتيح تأويلاً يأخذ في الاعتبار مجموع الدلالات ولا يتوقف عند التلخيص والقراءة المرجعية التي تـبـخس « لها مرايا» حــقـها، إذ تهمل ما تتضمنه من تعدد لغوي وحبكة جاذبة، ورؤية إنسانية.

بـناء يـُزاوج بين الواقعي والأسطوري:

ينطلق النص من وصف حدث موت رئيس الجمهورية ومراسم الدفن منقولة عبر التلفزيون، ويقرن ذلك بوصف الحالة النفسية لسعيد ناصر المقرب من الرئيس الراحل، وبخروج ليلى الصاوي من السجن بعد أن فقدت حبيبها سعيد ونجوميتها لدى الجمهور الذي كان يتابع مسلسلاتها التلفزية . بعبارة ثانية، انها بداية من نهاية أحداث الرواية، ما يضفي عليها طابعاً دائرياً يسلمنا في الصفحات الأخيرة إلى تكملة لتلك البداية . يكون واضحاً، عندئذ، أن ليلى الصاوي وسعيد ناصر هما الشخصيتان الأساس في الرواية وأن بقية الشخوص (عليّ،الجدّ، ماري وأمها العمياء) هي عناصر إضافية لتأثيث فضاء الرواية واستكمال أجوائها التي تنوس بين الواقعي الموصوف، والأسطوري الغائص في تاريخ الحيـوات وجذورها وما قبل مجيئها إلى هذه الصيغة الحالية من حياتها. وأظن أن هذا المحفل السردي الواقع بين الملموس، الظرفي، والأسطوري المستدعى من تاريخ الطائفة و« رواية العائلة»، هو ما يعطي لـ « لها مـرايا» إيقاعها ومجالها التأويلي . وتحتلّ ليلى الصاوي وأخوها علـيّ والجـَـدّ، مكان البوصلة الناقلة للأحداث من مستواها الواقعي إلى المستوى الأسطوري والميتافيزيقي . إلا أن ليلى تظل هي البطلة الإشكالية لأنها بمسارها الحياتي، تجد نفسها موزعة بين قيم التبادل ( الشهرة، عشيق من ذوي السلطة يحميها ...)، وقيم الاستعمال (تراث الطائفة ومبادئها الأصيلة، رسائل الجـد وحكاياته، معارضة اليسار التي يمثلها أخوها...). ولعل هذا هو مـنشأ البعد المأسوي في الرواية، لأن ليلى المتحدّرة من طائفة لها محتد وأصل وتعاليم، تنجذب إلى لألاء دمشق وسهراتها ومغامراتها فتلتـقي الحب الجارف وتلامس السعادة التي ارتسمتْ ملامحها في إحدى مرايا غرفتها، لكنها سرعان ما تستفيق على دويّ القدر المتربص بها، وكأن الحب مجرد حلم خاطف استعادته من حيوات سابقة عاشتها في أزمان فائتة. بعبارة أخرى، لا تريد ليلى أن تستسلم أمام عوامل ملموسة تعدم حبها، فتلجأ إلى ذلك المخزون من روحانية الطفولة لتقاوم الخيبة وتلاشي العواطف: «.. حتى الآن لم تصدق ليلى ما حدث وتوصلت إلى نتيجة أنها عاشت حلماً رأته في طفولتها، مع رجل وضعـه القدر في طريقها ليسلبها حياتها. ولأنها نذرت نفسها للريح، لم تفكر إلا بأمـر واحد: ألا تفارق ذلك الرجل حتى الموت...» ص 200. أمام مأساة نابعة من واقع ملموس، تتشبث ليلى بمنطق القلب لتنكر الخسارة: «لا أظن أني أعيش حياة شخص آخـر. أعتقد أن حياة واحدة لا تكفي الإنسان. أريد العيش ضمن هذه الكثافة التي تمنحني إياها حيواتي ...» ص209 .

في مقابل هذا الموقف الجــذري، الأنثوي، نجد موقف سعيد ناصر العاشق المفتون بليلى وحكاياها، يتخلى عن حبه لأن مجابهة ليلى لسلوكه السلطوي (هـو مـَـنْ عذب أخاها عليّ) يمـس بمركزه في أجهزة الدولة الحاكمة،

الكاتمة لأنفاس اليسار. ورد فعل سعيد هذا، تبرره جاذبية السلطة على رغم انتمائه إلى الطائفة التي تمتلك مبادئ تتعارض مع واقع حال الطائفة وقد وصلتْ إلى السلطة.

يتبين من تحليل بناء «لها مرايا» أن الحبكة المعتمدة على حب جارف بين ليلى الصاوي وسعيد ناصر لا تقتصر على المستوى العاطفي المألوف في قصص الحب والغرام، بل هناك مستوى آخر يضفي على الرواية أبعاداً أعمق، يمكن أن نلخصها في اثنين: الأول هو ذلك البعد التراجيدي الذي يلاحق الإنسان منذ الأزل، ليجعل نزوعاته ونزواته وعواطفه محفوفة دوْماً بصراع مع المواضعات والتقاليد والسلطة، ويجعل الحب يؤول في نهاية المطاف إلى نوع من الابتذال والخمود وغبار النسيان. ولكن النص يوحي برؤية مضادة عندما يجعل ليلى الصاوي تقاوم هذا التلاشي بأفق متعالٍ يتمثل في استحضار حيوات أخرى عشناها أو نعيشها في أزمنة متخيلة...

والبعد الثاني، يتمـثل في تـكـسيـر «تفوُّق» الطائفية التي تحرص على أن تبدو متلاحمة، منـزهة عن الخطأ والانقسام. ذلك أن حبكة «لها مـرايـا» تقوم على إبراز الصراع بين أبناء الطائفة نفسها، لأن العواطف والمصالح لا تعترف بأسيجة الطائفية ولأن التاريخ في مجراه المادي الملموس هو أقوى من تعاليم يسطرها الأجداد. ومن ثـمّ نجد الجد يقول لحفيديه في رسائله: «..فالتعصب هو سبب كل عقدة ومشكلة، ولا أريد لحفيديّ وحبيبـيْ فؤادي التنصل من أهمية الاختلاف...» ص231. على ضوء ذلك، نجد أن الرواية تعيد للطائفة طابعها الإنساني إذ تجعلها مجالاً للحب والكراهية والصراع بين المصالح والمواقف السياسية... ولا يتسع المجال، هنا للمضـيّ في تحليل بقية مكونات الرواية وإيحاءاتها الدلالية ( تعدد مستويات اللغة والأصوات، المزاوجة بين المشهدية والخطاب التأملي ...)، ولذلك أريد أن أعود إلى ما اعتبرته في مقال نبيل سليمان مصدر التباس يغمط «لها مرايا» حقها. بطبيعة الحال، من حق الناقد أن ينتقد النص ويسجل رأيه في التحقق الفني والدلالي، لكن الأهم هو ألا يغفل العناصر الإيجابية التي تنطوي عليها الرواية ضمن إطار النسـبيــة والقراءة التأويلية المحددة لعناصرها. وأظن أن الصديق نبيل لم يمـيز بالقدر الكافي بين «المرجعية» و «التمثيل» و «التخيـيل» التي هي عناصر جوهرية في صوغ الحقيقة الروائية ذات التعاريج والالتواءات. فإذا كانت المرجعية عنصراً مشتركاً بين كل الروايات لأنها تحيل على وقائع أو أحداث أو شخصيات، فإنها لا تحسم البناء الروائي لأن عنصر التمثيل الفني وشكله، وكذلك عنصر التخييل هما الوسيلتان اللتان يعتمدهما الروائي ّ لبلورة رؤيته إلى العالم واستثارة أسئلة تخاطب القارئ. والروائي لا يتوخى التأريخ ولا الصوغ الفلسفي، لأن مبرر الرواية – في نماذجها الجيدة – هو أن تقول الأشياء والعالم من خلال التفاصيل والمشاعر والحدس والرؤية الموحية... بدهيّ أن تتفاعل الرواية مع التاريخ والفلسفة والعلم أيضاً، لكنها لا تكتسب وجودها إلا من خلال الرؤية إلى العالم التي تبلورها عبر مسالك وأصوات متباينة.

على ضوء هذه الملاحظات السريعة، أرى أن المهمّ في «لها مراياها» ليس هو مرجعية الطائفة العلوية في سورية، وإنما ما أرادت سمر يزبك أن تصوغه كشكل ودلالة ورؤية إلى العالم . وهذا هو الجانب الذي يستحق، في نظري، أن يتوقف عنده نقد الرواية، لأنه المدخل الضروري إلى التقييم الذي يعرف هذه الأيام، أزمة مستفحلة بسبب تكاثــُـر النصوص الفاقدة للتشكيل الفني والعمق الدلالي . ومن هذا المدخل أيضاً يستطيع نقد الرواية أن يشــيد قيماً وموازين تواكب مـَنْ يكتبون ليجددوا ويضيفوا لبناتٍ إلى صرح الرواية العربية الباحثة عن قراءات تسند «فلسفتها» التي لا توجد في صلب النص الروائي بقدر ما توجد، كما لاحظ ناقد غربي، في ثنايا تحليلات وتعليقات النقاد.







2332


سمر يزبك تبحث عمّـا وراء المرأة
الاربعاء, 01 سبتمبر 2010
090106b.jpg
نبيل سليمان
Related Nodes:
090106b.jpg

يروم عنوان الرواية أن يدل إلى بؤرتها، محرقها، بل وإلى مفتاحها. وكل ذلك يحققه عنوان رواية سمر يزبك الجديدة «لها مرايا» (دار الآداب، 2010). ففي فصل «اللقاء»، وفيما يمهد للحظة الحاسمة في حياة الممثلة ليلى الصاوي بلقائها ضابط الأمن الكبير سعيد ناصر، تظهر مرايا غرفة ليلى: الطولانية المتحركة والمثبتة بالحائط والمدورة ومرآة السقف الدائرية... وبذلك تحولت الغرفة إلى لعبة مرايا، بينما التصقت المرايا الصغيرة بالجدران والبلاط في أرجاء البيت، وتموضعت بين الأريكتين، وقامت المرايا النصفية حول الأرائك. وغالب كل هذه المرايا بلا ترتيب، أما الدائري العتيق والثابت منها فقد جاءت ليلى به من بيت جدّها في القرية. ولا تفوت ليلى ذكرى المرآة على جدار الحمام من عهدها بالسجن.

وبعد حين تكون فيها علاقة ليلى بسعيد قد بلغت منعرجها الحاسم والأخير، يكسر سعيد تلك المرايا، ويشتري لليلى بيتاً يحرّم فيه المرايا، فتشكو لشقيقها علي: «أنا الآن سجينة بلا مرايا». أما فلسفة ليلى المرآوية فتوجزها بأن المرايا هي «عكس ما يقوله عنها البشر من أنها حب للذات! هي مكان للاشيء... مكانك وحدك. مكان وجهك حيث لا شيء سوى الفراغ». وتمام ذلك يأتي في اعتقاد ليلى بأن «وراء كل مرآة تختبئ حياة»، وبأن حياة واحدة لا تكفي الإنسان: «أريد العيش ضمن هذه الكثافة التي تمنحني إياها حيواتي». وهكذا تلوح مرايا العنوان بمفتاح الرواية/ لعبتها الكبرى: التقمص. وهنا يلح على المرء أن ينادي من رواية يزبك السابقة «صلصال» (2005) لعبتي المرايا والتقمص.

في منتهى هذه الرواية تتعين المرآة كطريق لحيدر ابراهيم إلى الحياة، وتتعين ابنته الحقيقية واقفة في قلب المرآة. ويكسّر علي حسن مرايا حيدر، لكن حيدر الخارج من المرآة يهزمه. إنه مآل الصراع بين الصديقين العدوين، الضابط المتقاعد حيدر ابراهيم في معتزله، والضابط الديكتاتور علي حسن. وكما كان حيدر ابراهيم مسكوناً بتقمصاته، وإليها يسحب الصديق/ العدو، هي أيضاً ليلى الصاوي التي تسحب إلى تقمصاتها الحبيب/ العدو سعيد ناصر. وإلى المرايا والتقمص تتناظر أيضاً روايتا «صلصال» و «لها مرايا» بمقام حيدر في الأولى وسعيد في الثانية بعد انسحابهما من الحياة العسكرية الدمشقية، كل إلى معتزله وأكبر من ذلك تناظر الزمن الروائي. يوم واحد يتشظى في حيوات الشخصيات وفي التاريخ، وبالتالي يكون استرجاع الماضي القريب والبعيد هو عماد البناء. ومثلما تعثر رهام في «صلصال» على أوراق أبيها حيدر، تعثر ليلى على أوراق جدها في «لها مرايا». والروايتان تحفران في المسألة الطائفية وتحاولان التأريخ الروائي للعلويين، وكذلك تحفران في المؤسسة العسكرية، وكل ذلك يتلامح في الرواية الأولى للكاتبة «طفلة السماء».

يوقّع لرواية «لها مرايا» موت الرئيس حافظ الأسد عام 2000. فعلى مشهد الجنازة تنفتح الرواية، ومن لقطة تلفزيونية مما يرقب سعيد ناصر، إلى لقطة، ومن ساعة إلى ساعة، تدأب الرواية على نقل مصوِّرتها بين سعيد الذي اعتكف في منزله/ قلعته، وبين ليلى الخارجة من السجن. واللافت هو الحرص البالغ أثناء انتقال المصوِّرة على توكيد التزامن بصورته البسيطة، بعيداً من أي لعب يشبك المكان والزمان، فنقرأ مثلاً «في اللحظة التي ابتعد فيها سعيد عن نافذته كانت سيارة أجرة صفراء تقف...» أو «في المساء الذي وصلت فيه عائدة من القرية افتقدت مراياها»... وهكذا حتى تستوفي الرواية تقديم شخصياتها وأحداثها الكبرى، ليظل القليل لما بعد يوم موت الرئيس، كما سنرى.

تؤسس الرواية لشخصية ليلى في سيرة جدها الشيخ علي الصاوي، ومنها بخاصة حلمه بالسمك ونزوله من القرية إلى جبلة ليحقق حلمه، حيث تؤكد الرواية امتهان المدينة للفلاحين الجبليين العلويين. وإلى هذه «الحادثة» تأتي حادثة نقل الجد للسلاح وغرق فرسه في النهر أثناء ثورة الشيخ صالح العلي في جبال العلويين ضد الاستعمار الفرنسي. وكذلك هو وقوف عائلة الجد على الحياد أثناء الصراع بين الرئيس الراحل وشقيقه، وإهانة الجد لسعيد ناصر... لكن الأهم هو ما سيتركه الجد لحفيديه ليلى وعليّ من أوراق في الصندوق الخشب الذي يجدد لعبة الصندوق في روايات شتى (لأهداف سويف ورحاب كيلاني مثلاً). وكان علي قد عاد من دمشق إلى القرية بعد خروجه من السجن محطماً، وبعد خيبته في استعادة شقيقته ليلى من أحضان سعيد ناصر، فأقدم على الانتحار بعد حرق بيت الجد. لكن الصندوق نجا من الحريق لتقرأه ليلى، ويبرز، أول ما يبرز، ذلك التطابق في «النظرة الفلسفية» للجد وللحفيدة. فليلى بعد إدمانها المخدرات تقول «كلنا غبار» ولم تكن قد قرأت أوراق الجد الذي سيكتب «نحن غبار تلبسنا قمصان الأرواح»، فهل هي مصادفة أم هي الساردة تقوّل الشخصيات بلسانها؟

يتساءل الجد في صدد العلويين: «لماذا لم يكتب عنا؟ ولماذا بعد مرور زمن طويل على موتنا المتلاحق بقينا صامتين؟ هل تجرأ أي كان على ذكر وتدوين ما حدث لنا؟». وقد جاءت رواية «لها مرايا» كجواب عن هذه الأسئلة، في معنى ما. لكن أسئلة الجد تتراخى - على الأقل - عندما تنتقل من زمنه إلى زمن الرواية؟ حيث أعيدت صياغة الأسئلة أو جرى تفتيقها، واقتراح إجابات على بعضها. وإذا كان ذلك قد اتسم بالعصبوية مع أو ضد في الحقل السياسي والتاريخي، فقد قدمت الرواية مساهمة مختلفة، كما ظهر في «شموس الغجر» لحيدر حيدر و «الوباء» لهاني الراهب و «ينداح الطوفان» أو «بنات نعش» لكاتب هذه السطور.

تبدو الطائفة في منظور جد ليلى جماعة صوفية: «الحقيقي منا لا يحلم بسلطة» و «الحقيقي منا منذور للفكر والعقل والعدل». وهو ينهى حفيدته عن لوم «جماعتنا» بعدما اتهموا بالزندقة، إذ حُرِّف تاريخهم وظلموا «وهم الآن يظلمون أنفسهم». ولعل العبارة الأخيرة أن تكون الأهم، بترهينها لأمر الطائفة، بينما سيبهظ الرواية ما يأتي في أوراق الجد من شروح «فلسفة» العلويين. وقد جاء مثل هذا الإبهاظ في الحوار «الفلسفي» بين علي وشقيقته المدمنة، حول الرغبة والحيوانية...

تؤسس الرواية لشخصية سعيد ناصر في سيرة والده المدرس جمال عيسى القادم من أنطاكية بعدما قتل ابنة عمه/ زوجته وعشيقها. وكان جمال قد فرّ بابنة عمه إلى اسطنبول حيث تعلم صنع الكنافة. ولما عاد إلى ذويه نبذ طويلاً ثم كانت المصالحة. وبعد سنة سافر إلى اسطنبول ليحضّر كراسات للتلاميذ، فمكث ستة أشهر، تعلم أثناءها صناعة الكنافة، ودرس على يد شيخ. لكأنه ليس مدرساً، ولم يتعلم صنع الكنافة من قبل!

لجأ والد سعيد إلى القرية الجبلية حيث زوّجه شيخها ابنته، وستجمع الرواية، بعدما تستوفي حكايات الأسلاف، بين الأبناء. ففي مكتبه ينهال سعيد على السجين السياسي علي الصاوي بعدما يعهده قد خان «جماعته» وهو يخاطبه: «انظر الآن لحالنا أين كنا وكيف صرنا»، بينما يرد عليّ على هذا الذي يدغدغ جذره الطائفي: «أنتم تعرفون أنكم لا تحموننا بل تحتمون بنا». واللافت هنا أن سعيد قد جرّ علياً إلى منازلته على أرضه هو (الطائفية)، على رغم أنه معارض يساري، فتراه - مثلاً - يخاطب سعيد «أنت ضبع يتسلح بأسلحته ضد واحد من أبناء طائفته العزّل».

كانت ليلى قد التقت بابن قريتها سعيد ناصر، فإذا بالعشق يرجّهما. وعلى غرار حكايات «ألف ليلة وليلة» التي يترجّع صداها في سيرة والد سعيد وذبحه لابنة عمه ولعشيقها، ستشرع ليلى وتحكي حكاياتها وهي تتقمص من جيل إلى جيل، عاشقةً لسعيدٍ من كل جيل، وساردة لتاريخ المذابح والتهجير الذي ذاقه العلويون على عهد السلطان سليم الأول، ففروا من المدينة البيضاء (حلب) إلى الجبال، وتحولوا من رجال علم ودين إلى جماعات هائمة، وأحرقت كتبهم وأشعارهم، ومخطوطات تاريخهم أتلفت، وتعلموا السرية ولم تبق لهم إلا حكايات موغلة في القدم. وقد وصلت الرواية كما رأينا ذلك الماضي البعيد بالماضي القريب، وبخاصة ما بين طفولة ليلى وسعيد وعلي ووفاة الرئيس عام 2000. ولئن كان العشق قد بدل في كيان العاشقين تبديلاً، فقد انتهى بليلى إلى المخدرات فالسجن. أما سعيد فها هو يعود إلى دمشق بعد موت الرئيس، يحدو له أن من المستحيل أن يعود الى هذا المتقاعد العازب مجده، وهو الذي كان مؤمناً بأن الرئيس لن يموت.

بدا رهان الرواية على الوصف، وعلى المشهدية، وعلى الحادثة، وعلى الحكاية، كبيراً. لكن الرهان الفني الأكبر كان على الشخصية. ولا يتعلق الأمر فقط بالشخصيات المحورية، إذ لا يقل بناء الثانوي منها إحكاماً، كشخصية والد سعيد وابنة عمه وعاشقها، وبخاصة كشخصية ماري الدميمة التي تؤوي ليلى بعد السجن، ووالدة ماري العمياء أيضاً. أما رهان الرواية على الحفر في الطائفية - وهو كبير أيضاً - فهو قمين بأن يثير الغبار كما هو قمين بأن يثير الحوار.


2332

كتابة المرأة فسحة وجودية
الاربعاء, 07 يوليو 2010
لوحة للرسام السوري أدهم اسماعيل.jpg
شيرين أبو النجا *
Related Nodes:
لوحة للرسام السوري أدهم اسماعيل.jpg

ما إن يبدأ الحديث عن تجليات الجسد في الرواية حتى يعمد الخطاب النقدي الى توظيف مصطلح «كتابة الجسد» الذي راج بقوة في نهاية عقد التسعينات. لم تكن الدلالة المفترضة لهذا المصطلح واضحة تماماً، وعليه استخدم للإشارة إلى كتابة ظهرت في حينها - وكان جيل جديد بدأ يكتب - تعلي من شأن التفاصيل الحياتية المتعلقة بالذات، وذلك كرد فعل على الكتابة التي سبقتها، وكان جل تركيزها على الهم السياسي أو المجتمعي، بحكم تكوينها الفكري والسياسي. كان الارتباك النقدي الذي سببه مصطلح «كتابة الجسد» كبيراً آنذاك ولم يقبل أحد أن يغيره، أو يعيد النظر فيه. فالمصطلحات لها إغراء كبير والتراكم النقدي غائب عن الساحة في شكل عام. وكغيره من المصطلحات حصل على بعض الاهتمام حتى جاء مصطلح آخر وأزاحه من مركز الاهتمام. فكتابة الجسد تقنية ترتكز على أساس فكري وفلسفي خرج تحديداً من عباءة حركة 68 الفرنسية، وكانت رائدة هذا التوجه هيلين سيكسو الفرنسية، التي خرجت من عباءة جاك لاكان وتمردت عليه مع الاحتفاظ بالكثير من نقاط الالتقاء، ثم ما لبث أن شكل تياراً كاملاً عرف باسم «الكتابة الأنثوية». لم تظهر تجليات هذا التيار في ما أطلق عليه في العالم العربي «كتابة الجسد»، ويبدو لي أن حرف جر قد سقط سهوا وكان من المفترض أن يكون المصطلح «الكتابة عن الجسد». والفرق شاسع بين المصطلحين.

في رواية «لها مرايا» (دار الآداب، 2010) للكاتبة السورية سمر يزبك ورواية «حليب التين» (دار الآداب، 2010) للفلسطينية سامية عيسى يتجلى الجسد بصفته أساساً للوجود الإنساني، أو بالأحرى واحداً من الأسس المفروغ منها. فعبر التخييل السردي في «لها مرايا» تنتقل ليلى الصاوي من حياة إلى أخرى، وهو ما تحوله الكاتبة إلى تقنية سلسة تمكنها من حكي تاريخ - أو لنقل شذرات منه - الطائفة العلوية منذ أيام السلطان سليم الأول. وبشكل مفارق تقع ليلى في حب سعيد ناصر الذي ينتمي الى الطائفة نفسها و يتمتع بمنصب في السلطة، وتعود جذوره الى قرية ليلى الصاوي نفسها حيث كان الجدان على طرفي النقيض. وهنا تتعاظم المفارقة، ففي أثناء التقاء الجسدين، على رغم من كل الظروف التي كانت لا بد أن تمنع هذا الالتقاء (وهنا تظهر قوة وجود الجسد) ينهل سعيد ناصر من حكي ليلى عن حيوات أخرى عاشتها - قتل وتعذيب وتشريد - كما ينهل من جسدها، وهو نفسه الذي ينتهك هذا الجسد في ما بعد ليعيد تكرار حكايات ليلى. إلا أنه هذه المرة هو الجلاد وليس الضحية.

هكذا يتحول جسد ليلى الصاوي إلى قوة فعل مستقلة لها إرادة تقوم بالفعل أو تستخدم لقهر الذات، كما حدث معها في السجن (الذي ألقاها فيه سعيد ناصر) من اغتصاب وانتهاك. إنه الجسد الذي يعد احدى وسائل السيطرة كما أسهب ميشيل فوكو في ذلك، وهو الجسد الذي يتحول إلى علامة الوجود، سواء في استمتاعه أو في اغتصابه أو في التنكيل به، كما فعل سعيد ناصر مع علي شقيق ليلى الذي كان منتمياً الى حزب معارض. وإذا كان علي انتحر في النهاية، فإن هذا الفعل يحمل مرة أخرى قدرة الجسد على الغياب الإرادي كشكل من أشكال العقاب للآخر (مدفوعاً بقوة اليأس أيضاً)، على غرار ما قدمه الناقد تيري ايغلتون في احدى مقالاته في صحيفة «الغارديان» من تفسير للغضب الذي يشعر به الجندي الإسرائيلي من فكرة الحزام الناسف، إذ يشعر بالغدر لأنه لم يقم هو بتصفية ذلك الجسد، بل تحول الجسد إلى تهديد له لا يملك أن يواجهه. وكأن الفلسطيني - في هذه الحالة - يؤكد ملكيته لجسده كسلاح في مواجهة آلة عسكرية. وعلى رغم اليأس الذي تملك علي - شقيق ليلى -، لا يمكن إنكار أن انتحاره - تغييب الجسد - هو ما جعل ليلى تدرك الأزمة التي تعيشها، وهو ما أوصلها في النهاية إلى السجن حيث تحول جسدها (جسد الممثلة) إلى سلاح ضدها.

في سياق مختلف تطرح سامية عيسى مركزية الجسد في عملها الأول «حليب التين»، (دار الآداب) وسواء في الجزء الأول الذي يدور في مخيم فلسطيني صغير في لبنان أو في الجزء الثاني حيث تنتقل «صديقة» إلى دبي، يسيطر الجسد على الحكي. ففي المخيم تكتشف فاطمة والدة الشهيد أحمد جسدها بالصدفة البحتة في المرحاض العمومي، وعبر أنين الجسد تشكل الشخصيات علاقات في مخيلتها مع صاحبة الأنين، حتى يؤدي الإحباط في يوم إلى دفع أحد أصحاب الخيال الواسع إلى هدم المرحاض النسائي تماماً. فاطمة - الشخصية البديعة - كانت تترك حيز الحجرة الضيقة لابنها أحمد وزوجته «صديقة» ليجدا قليلاً من الحرية في المخيم الذي لا يترك أي خصوصية للحرية، ناهيك عن الجسد.

يتحول الجسد الأنثوي أيضاً في المخيم إلى وسيلة ابتزاز إذ ينظر له بصفته سلعة يمكن مقايضتها لمنح الحقوق: معاش الشهيد، وفي هذا التحول أو بالأحرى التشيؤ الذي يطاول الجسد في شكل خاص والنساء في شكل عام، يظهر الوجه السلبي للنضال الثوري، فالثورات غالباً ما تفقد البوصلة في ما يتعلق بوضع النساء، مما يحولهن إلى أضعف حلقة.

في انتقالها إلى دبي، اعتقاداً منها أنها ستعمل في صالون تزيين، تدرك «صديقة» مرة أخرى أن حياتها متوقفة على جسدها. فإذا قاومت مقايضة جسدها في المرة الأولى في المخيم وسافرت الى دبي لتنقذه من التسليع فإنها لم تتمكن من المقاومة مرة ثانية، إذ أدركت أنها ليست إلا الجسد أينما كانت. وكما تحول الجسد إلى وسيلة سيطرة في «لها مرايا» عبر انتهاكه واغتصابه، يتحول الجسد في «حليب التين» إلى وسيلة إذلال وقهر لا يجد متنفساً له إلا في الحصول على مكان نظيف لقضاء الحاجة، فبعد أن كان مرحاضاً قذراً ضيقاً عمومياً في المخيم تحول إلى حمام مزين بالشموع تفوح منه روائح منعشة. وكأن «صديقة» مرت بكل تلك التجربة الأليمة لتحصل على الحمام وتفقد كل شيء.

وإذا كانت الذروة في «لها مرايا» قد اتخذت شكل تحول الضحية - على مدار التاريخ - إلى جلاد في زمن السرد، فإن الذروة الدامية في «حليب التين» جاءت مع الحب الذي لم تتمكن «صديقة» من الاستمتاع به أو حتى عيشه. مع سمر يزبك يتحول الجسد إلى مرايا عديدة تقبض على لحظات من التاريخ وتدمي القلب، ومع سامية عيسى يتحول الجسد إلى واقع منفصل عن الروح له الهيمنة عليها بكل الوجع والخسارة التي لا يمكن لـ «حليب التين» أن يداويها، حتى لو بقيت شجرة التين حية. هكذا تتمكن كل كاتبة من تضفير الجسد في ثنايا النص حتى لا يمكن أن تقوم له قائمة من دونه، كعلامة تدل على نفسها أولا وعلى الوجود الإنساني ثانياً. ليست إذا «كتابة الجسد» ولا «كتابة عن الجسد» بل هى كتابة لا تتنصل من الجسد كزائدة دودية ولا ترى في الجسد أيضاً مجرد دلالة حسية، بل هى كتابة ترى أن الجسد هو أحد أبواب الفعل الوجودي.

* ناقدة مصرية


الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  رحيل ابراهيم اصلان صاحب رواية "مالك الحزين" Rfik_kamel 8 5,910 01-10-2012, 12:06 PM
آخر رد: بهجت
  مآذن خرساء 15 ــ24 /48 رواية مسلسلة حمادي بلخشين حمادي بلخشين 0 2,966 08-21-2011, 07:36 PM
آخر رد: حمادي بلخشين
  مآدن خرساء 1 ــ14/48 رواية مسلسلة حمادي بلخشين حمادي بلخشين 0 3,556 08-21-2011, 05:43 PM
آخر رد: حمادي بلخشين
  مآذن خرساء 38 ــ48/48 رواية مسلسلة حمادي بلخشين حمادي بلخشين 0 2,603 08-21-2011, 05:22 PM
آخر رد: حمادي بلخشين
  مآذن خرساء 33ـــ37/48 رواية مسلسلة حمادي بلخشين حمادي بلخشين 0 1,833 08-16-2011, 01:23 PM
آخر رد: حمادي بلخشين

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم