حسنا.. ما رأيكم أن أثبت لكم بالعلم وليس بالفلسفة أنه لا توجد مادة، وأنّ الوجود مجرد إحساس داخلنا، وأنّنا أصلا لا نعرف من نحن؟
سأنقل لكم فصلا من كتاب هارون يحيى (خديعة التطوّر)، لكن قبل أن تقرؤوه، أرجو أن تقرؤوا مقالي عن فيلم ماتريكس، وهو يعرض خلاصة فكرته ويسرد الحوارات الفلسفية التي دارت في أجزائه الثلاثة، وبعض ملاحظاتي:
http://khayma.com/alhkikh/7orriahmatrix.htm
نصل لكلام هارون يحيى:
الفصل الثامن عشر:
السرّ الكامن وراء المادة:
إن من يتأملون في الكون وما يحيط بهم بإمعان وعقل واع، يدركون أن كلّ ما في الكون من حي أو جماد قد خُلق.. ومن ثم يصبح السؤال هو: من خالق كل هذه المخلوقات؟
من الواضح والثابت أن "حقيقة الخلق"، التي تظهر بوضوح في كلّ جزء من أجزاء الكون، لا يمكن أن تكون نتيجة إيجاد الكون نفسه.. وعلى سبيل المثال، فالحشرة لا يمكن أن تكون قد خلقت نفسها.. والمجموعة الشمسية لم تَخلِق وتُنظِّم نفسَها بنفسها.. وكذلك لا يمكن أن تكون الكائنات من نبات، وإنسان، وبكتريا، وكريّات الدم الحمراء وفراشات قد خلقت نفسها بنفسها.. إن احتمال أن تكون كل هذه الكائنات قد وُجدت "بالصدفة"، هو أمر لا يمكن حتى تخيّله، ناهيك عن تقبّله.
ولهذا يمكننا أن نخلص إلى النتيجة التالية: كل ما تقع عليه أعيننا مخلوق، إلا أن أيًّا من هذه الكائنات لا يمكن أن يكون هو ذاته "خالقًا".. فالخالق يختلف عما نشاهده وهو أعظم وأقوى مما تقع عليه العيون. والخالق بقوته لا يُرى، ومع ذلك تشهد كل الكائنات والمخلوقات على وجوده وصفاته.
هذه هي النقطة التي يعترض عليها الذين لا يؤمنون بوجود الله، فهم يشترطون أن يروه بأعينهم قبل أن يؤمنوا به.
إنّ هؤلاء الذين يُعرضون عن حقيقة "الخلق" يضطرون إلى إنكار هذه الحقيقة التي تظهر بجلاء في الكون بأسره، ويحاولون تقديم أدلة مزيّفة على أنّ الكون والكائنات جميعها لم تُخلق، وليست نظرية التّطور سوى مثال واضح لمحاولاتهم اليائسة لتحقيق هذا الغرض.
والخطأ الأساسي، الذي يقع فيه من ينكرون وجود الله، يشاركهم في الوقوع فيه كثير من الناس الذين لا ينكرون في الحقيقة وجود الله، إلا أن لديهم إدراكاً وفهماً خاطئاً لقضية وجود الله.. فهم لا ينكرون "الخلق"، إلا أن لديهم معتقدات خرافية عن "مكان وجود" الله.. فمعظمهم يعتقد أن الله في "السّماء"، ويتصوّرون ـ حسب اعتقادهم هذا ـ أن الله يوجد خلف كوكب بعيد جدا، ويتدخل في "شؤون الدنيا" بين الحين والآخر، وربما لا يتدخل أبدا: فالله سبحانه وتعالى قد خلق الكون وتركه لشأنه، وترك البشر يحدّدون مصائرهم بأنفسهم.
وهناك أيضا آخرون قد سمعوا أن القرآن الكريم يذكر أن الله سبحانه وتعالى "في كلّ مكان"، إلا أنّهم لم يفهموا ما يعنيه ذلك فهما تامّا.. وهم- لا شعوريا- يظنون أنّ الله يحيط بكل شيء مثل موجات الراديو، أو مثل الغاز الذي يحيط بالإنسان ولكنه لا يراه ولا يستطيع لمسه.
وهذا المفهوم وغيره من المعتقدات التي فشلت في الإجابة عن سؤال "أين يوجد الله" (والتي قد تؤدي بأصحابها إلى إنكار وجود الله بسبب ذلك)، مصدرها خطأ شائع.. ذلك أنهم يعتقدون رأياً مسبقاً لا يقوم على أي أساس، ثم يعتنقون آراء خاطئة عن وجود الله.. فما هو هذا الرأي المسبق؟
يتصل هذا الرأي المسبق بماهية المادة وخصائصها.. لقد انحصر تفكير الإنسان في افتراضات حول موضوع وجود المادّة، إلى درجة أنّه لم يفكر فيما إذا كانت المادة موجودة فعلا أم لا، أم أنها مجرد ظل.. إنّ العلم الحديث يتصدى لهذا الرأي المسبّق ويكشف عن واقع في غاية الأهمية.. وسنوضّح في الصفحات التالية هذا الواقع الذي أشار إليه القرآن الكريم.
عالم الإشارات الكهربائية:
إنّ كل المعلومات التي نعرفها عن العالم الذي نعيش فيه تصل إلينا عن طريق حواسنا الخمس.. فالعالم الذي نعرفه يتكون مما نراه بأعيننا، وما تلمسه أيدينا، وما تستنشقه أنوفنا، وتتذوّقه ألسنتنا وتسمعه آذاننا.. ولم يخطر لنا أن العالم "الخارجي" يمكن أن يحتوي على خلاف ما تنقله لنا حواسنا الخمس، إذ أنّنا نعتمد عليها منذ نعومة أظافرنا.
إلا أنّ كثيرا من الدراسات والأبحاث التي أجريت في فروع العلوم المختلفة، تشير إلى مفاهيم مختلفة تماما عما نعرفه، وتخلق شكوكا هامة تتعلق بحواسنا الخمس، وما نتلقّاه من معلومات عن العالم من خلالها.
ونقطة البداية التي انطلقت منها هذه المفاهيم هي أن "العالم الخارجي" كما نعرفه في أذهاننا، هو ردود فعل تتكون في أدمغتنا نتيجة إشارات كهربائية.. فكلّ شيء بداية من لون التفاح الأحمر وصلابة الخشب، بل ووالدتك ووالدك وأسرتك بأكملها، وكل ما تملكه، منزلك وعملك وحتى أسطر هذا الكتاب الذي بين أيدينا، تتكون جميعها من إشارات كهربائية في أدمغتنا فقط لا غير.
ويشرح "فردريك فيستر" (Frederick Vester) ما توصل إليه العلم حتى الآن في هذا الموضوع فيما يلي:
"يبدو أن العلم قد أثبت في أيامنا هذه، تقريرات بعض العلماء التي تفترض أن "الإنسان مجرد صورة"، وأن كل ما يمر بنا من تجارب هي أمور مؤقتة وخادعة، وأن الكون كله ما هو إلا خيال". (173)
ويعلّق الفيلسوف المعروف "جورج بيركلي" George Berkeley على هذا الموضوع بما يلي:
"نحن نؤمن بوجود الأشياء، فقط لأننا نشاهدها ونلمسها.. فهي تنتقل إلينا من خلال حواسنا ووسائل إدراكنا.. ولكن ما ندركه هو مجرد أفكار توجد في أذهاننا.. لذا فكل ما ندركه بإحساسنا وحواسنا هو مجرد أفكار.. وهذه الأفكار حتما لا توجد سوى في أذهاننا.. وما دامت كل هذه الأشياء لا توجد إلا في أذهاننا، فنحن نقع إذن تحت تأثير تضليل وخداع ما نتخيله بأنفسنا، من أن الكون والأشياء لها وجود خارج أذهاننا.. فلا شيء مما يحيط بنا له وجود خارج أذهاننا". (174)
ولكي نلقي مزيدا من الضوء على هذه القضية، دعونا نتأمل حاسة الإبصار، هذه الحاسة التي تمدّنا بأوفر المعلومات عن العالم الخارجي.
كيف نبصر ونسمع ونتذوق؟
تتم عملية الرّؤية على عدة مراحل متتالية.. فالحزمة الضوئية التي يصدرها جسم ما إلى العين، تعبر قزحية العين لتنعكس على الشبكيّة في مؤخرة العين.. ويتحوّل الضوء الذي تنقله الخلايا العصبية إلى إشارات كهربائية، ثم ينتقل إلى نقطة صغيرة جدا تقع في مؤخرة المخ يطلق عليها مركز الإبصار.. ويستقبل مركز الإبصار هذه الإشارات الكهربية، ويحولها بعد عدّة عمليات إلى صورة كاملة.. أي أنّ عملية الرؤية تتم في هذه البقعة شديدة الصغر الموجودة في مؤخرة المخ، وهى بقعة مظلمة جدا لا ترى النّور أبدا.
فلنتفحّص الآن هذه العملية التي تبدو عادية في ظاهرها.. عندما نقول إننا "نرى"، فنحن في الواقع نرى تأثير النبضات التي تصل إلى عيوننا وتُرسل إلى المخ بعد تحويلها إلى إشارات كهربيّة.. أي أننا عندما نقول إننا "نرى"، فإن ما نراه في الحقيقة لا يعدو كونه إشارات كهربية داخل المخ.
إنّ كل ما نراه حولنا في حياتنا يتكون في مركز الإبصار، الذي يبلغ حجمه بضعة سنتيمترات مكعّبة داخل المخ.. فالكتاب الذي تقرؤه الآن وجميع المناظر التي تراها في الأفق وعلى مدى البصر، والتي لا حدود لها، تقع في هذه البقعة الصّغيرة.. وهناك نقطة أخرى يجب ألاّ تغيب عن الأذهان وهي، كما بينا من قبل، أنّ المخ في حد ذاته معزول عن الضوء الخارجي، وداخله ظلام دامس، لأنه لا يوجد اتصال مباشر للمخ مع الضّوء بأي حال من الأحوال.
ويمكننا توضيح هذا الأمر المثير بالمثال التالي.. فلنفترص أنّنا نرى أمامنا شمعة.. فعندما نجلس نحن أمامها نتأملها، لا يكون للمخّ أي اتّصال مباشر بضوء الشّمعة الأصلي.. فحتى ونحن نرى ضوء الشمعة، يظل المخ من الداخل غارقا في ظلام دامس.. فنحن نرى عالما مليئا بالألوان ومضيئا داخل المخّ الذي يلفّه الظلام الدامس.
ويشرح لنا العالم "ر.ل. جريجوري" (R.L. Gregory) الإعجاز في عمليّة الإبصار، التي نراها شيئا مسلّما به:
"إنّ عمليّة الإبصار تبدو لنا مألوفة وعادية جدا، حتى إنّنا لا نحتاج إلى تفكير تخيلي لإدراك وجود مشاكل يجب حلّها.. والحقيقة أنه ينبغي علينا التفكير مليّا في الأمر.. فالصّور التي تقع على عيوننا تكون صغيرة ومشوّشة ومعكوسة، بينما نحن نرى من حولنا أجساما واضحة منفصلة عن بعضها البعض.. وبعد نماذج المحاكاة التي تقوم بها الشبكية داخل العين، نرى العالم الخارجي وما به من أجسام مختلفة.. وهذا ليس بعيدا عن المعجزة في شىء".(175)
وقس على ذلك بالنّسبة إلى بقية الحواس.. فما نتلقاه عن طريق الصّوت واللّمس والتذوق والشمّ ينتقل إلى المخ في شكل إشارات كهربائية، ويتم إدراكه في المركز الخاص بكل من هذه الحواس.
وعمليّة السّمع هي أيضا كذلك، فالأذن الخارجيّة تجمع الموجات الصّوتية المحيطة بها وتوصلها إلى الأذن الوسطى.. وهكذا فالأذن الخارجيّة تلتقط الأصوات بواسطة غشائها الخارجي، وتنقلها إلى الأذن الوسطى، ثم تنقل الأذن الوسطى الذبذبات الصوتية التي تلقتها إلى الأذن الداخلية، وتقوم الأذن الدّاخلية بتحويل هذه الذبذبات إلى إشارات كهربائية ثم ترسلها إلى المخ.. وكما يتم الإبصار في مركز الإبصار في المخ، تتم عملية السّمع في مركز السمع بالمخ كذلك.. والمخّ معزول عن مصدر الصّوت الخارجي، تماماً مثلما هو معزول عن مصدر الضوء الخارجي.. فمهما كانت شدّة الضوضاء في الخارج، يظل المخّ من الداخل هادئًا تماما.
ومع ذلك، فحتّى أدقّ الأصوات يستطيع المخّ تمييزها.. وهذا يعنى تحديدا أن أذن الإنسان السليم تسمع كلّ الأصوات بوضوح دون أي تشويش أو تداخل.. فعن طريق مركز السّمع بالمخ، وعلى الرّغم من أنّ هذا المركز معزول عن كلّ مصدر صوت خارجي، فإنكم تستمعون إلى سيمفونيات تعزفها الأوركسترا، وتسمعون الضّوضاء في الزّحام، وتسمعون كلّ الأصوات الأخرى ذات الترددات المختلفة، بدءا من حفيف ورق الأشجار وانتهاء بهدير الطائرة النّفاثة.. ولكن لو حاولنا قياس شدّة الصّوت داخل المخ بأحد الأجهزة الدقيقة - في هذه اللحظات التي نستمع فيها بالفعل إلى الأصوات الخارجية- لوجدنا أنّ الصمت المطبق هو الذي يسود داخل المخ.
إنّ إدراكنا للروائح التي نستنشقها يتحقق بنفس الطريقة.. فالذّرات المتطايرة من أشياء مثل الفانيليا أو زهرةٍ ما، تصل إلى المستقبلات التي تقع على الشعيرات الدقيقة متناهية الصّغر في منطقة تجويف الأنف، ثم يحدث لها ما يشبه التفاعل.. هذا التفاعل ينتقل إلى المخ على شكل إشارات كهربائية، يتلقاها المخ على هيئة رائحة.. فكل ما نستنشقه من روائح- طيبة كانت أو كريهة- هو عبارة عن تلقي المخ للتفاعلات التي تجرى على الذّرات الصغيرة المتطايرة بعد أن تكون قد تحولت إلى إشارات كهربائية.. فنحن نستقبل رائحة العطور والزهور ورائحة الطّعام الذي نحبه، ورائحة البحر وكلّ الروائح الأخرى التي نحبها أو لا نحبّها عن طريق المخ.. وكما هو الحال بالنسبة إلى حاسّة السّمع والإبصار، فإنّ الذّرات المتطايرة لا تصل إلى المخ أبدا.. أما الذي يصل إلى المخ فهو مجرّد إشارات كهربائية.. وبمعنى آخر، إنّ كلّ الروائح التي نفترض منذ ولادتنا، أنها تصدر من الأجسام الخارجية، ما هي إلا إشارات كهربائية نشعر بها من خلال حواسّنا العضوية.
وما سبق يسرى بالمثل على حاسّة التذوق.. فهناك أربعة أنواع مختلفة من المستقبلات الكيمائيّة، تقع على الجزء الأمامي من لسان الإنسان، وهي المسئولة عن التعرف على المذاق المالح والحلو والمر والحامض.. تقوم هذه المستقبلات بتحويل المذاقات- بعد أن تمرّ بعدة عمليات كيميائية- إلى إشارات كهربائية وترسلها إلى المخّ.. وهذه الإشارات يستقبلها المخ على أنها مذاقات مختلفة.
فالمذاق الذي نستشعره من تناول قطعة شيكولاتة أو ثمرة فاكهة هو تفسير المخّ لهذه الإشارات الكهربائية.. ونحن لا نصل إطلاقا إلى الجسم الموجود بالخارج، إذ إننا لا نرى أو نشم أو نتذوق الشّيكولاتة ذاتها.. وعلى سبيل المثال، إذا انقطعت أعصاب التذوق الموصلة للمخ، لن يدرك المخ أو يستشعر أي مذاق لما تأكله، وستفقد حاسّة التذوق تماما.
وهنا تظهر لنا حقيقة أخرى، وهي أنه لا يمكن التأكّد من أنّ ما نشعر به عند تناولنا طعاما معينا هو نفس ما يشعر به شخص آخر عند تناوله الطّعام نفسه، أو أنّ ما نتلقاه من مؤثّرات عند سماع صوت ما هو نفس ما يتلقاه شخص آخر من مؤثرات عند سماع الصّوت نفسه.. وعن هذه الحقيقة، يقول "لينكولن بارنت" ما يلي:
"نحن لا نستطيع أن نحدّد ما إذا كان ما يراه شخص ما من لون أحمر، أو ما يسمعه من نغمة مثل (دو) الموسيقية، هو نفسه ما يراه غيره ويسمعه.. لا يمكن لأحد أن يتأكّد من ذلك أبدا".(176)
((يمكن التأكّد من ذلك، إذا تأكدنا من تطابق نفس الإشارات الكهربية المرسلة للمخّ، وتطابق تركيب المخّ وتماثل آليات عمله عند كلّ شخص.. هذه مغالطة ينفيها عدل الله سبحانه، وتساوى التكليف بين البشر _قعقاع))
ولا تختلف حاسّة اللمس كثيرا عن بقية الحواس التي تناولناها.. فعندما نلمس جسما ما، فإنّ كل المعلومات التي ستساعدنا على تمييز العالم الخارجي المحيط بنا وما به من أجسام، ستنتقل إلى المخ عن طريق الأعصاب الحسّية الموجودة على الجلد.. فالشعور بلمس شيء ما يتكون داخل المخ.. فعلى عكس الاعتقاد الشائع، نحن لا ندرك الشّيء عندما نلمسه بأطراف أيدينا أو عن طريق الجلد، بل إنّ عملية اللمس تتم في مركز الإحساس داخل المخ.. وكنتيجة لتقدير المخ للتنبيهات الكهربائية التي تنطلق من جسم ما، نشعر بأحاسيس مختلفة ترتبط بما نلمسه من أجسام، مثل الصّلابة أو النّعومة، والسخونة أو البرودة.. فنحن نستمدّ جميع المعلومات التي تساعدنا على تمييز جسم ما بعينه من خلال هذه التـنبيهات.
وعن هذه الحقيقة المهمّة أيضا، كتب اثنان من مشاهير الفلاسفة "ب. راسيل، و ل. ويتجينستين" (B. Russel & L. Wittgeinstein) آراءهما كما يلي:
"لا يمكن مناقشة قضية وجود ثمرة اللّيمون من عدمه، وكيف وُجدت هذه الثمرة.. فالليمون عبارة عما نتذوقه من طعم باللّسان، وما نشمه من رائحة بالأنف، وما نراه من لون وشكل بالعين.. وهذه الصّفات فقط هي التي يمكن أن تخضع للدراسة والتقييم، فالعلم لا يمكن أن يدرك حقيقة العالم ويعرفها".(177)
يستحيل على العقل البشرى أن يصل إلى الحقيقة المادية للعالم.. فكل الأشياء التي حولنا هي عبارة عن مجموعة من المؤثرات التي ندركها بواسطة حواسنا كالإبصار والسمع واللمس.. وعن طريق تحليل البيانات التي يتلقاها مركز الإبصار وغيره من مراكز الإحساس في المخ، يواجه المخ خلال مراحل حياتنا المختلفة، الصورة التي تكوَّنت داخله للأجسام المادية، وليس هذه الأجسام ذاتها.. وهنا يضل الإنسان بافتراضه أنّ هذه الصّور أو النّسخ هي أمثلة لمادة حقيقيّة موجودة خارجنا.
"العالم الخارجي" كما يتشكّل في عقولنا:
إنّ الحقائق المادية التي بيناها حتى الآن تقودنا إلى النتيجة التالية:
إنّ ما نراه ونلمسه ونسمعه وندركه بوصفه "المادة، "والعالم" و"الكون" بأسره، هو عبارة عن إشارات كهربائية يتلقاها المخ.
إنّ الشخص الذي يتناول فاكهةً ما، لا يواجه في الحقيقة الفاكهة بعينها، بل الصّورة التي يدركها المخ لها.. فالجسم الذي يمثل "الفاكهة" بالنسبة إلى شخص ما، يتكون من إشارات كهربائية خاصة بشكل هذه الفاكهة ومذاقها ورائحتها.. فإذا تم قطع العصب البصري الذي يمتد إلى المخ فجأة، فإنّ صورة الفاكهة ستختفي فجأة أيضا.. وكذلك لو انقطع الاتصال بين الأعصاب الممتدة من أجهزة الإحساس في الأنف إلى المخ، فسيؤدّى ذلك إلى انعدام حاسة الشم تماما.. وبعبارة بسيطة، إن صورة الفاكهة ليست إلاّ تفسير المخ للإشارات الكهربائية.
الأمر الآخر الذي لابد أن نتوقف عنده هو الإحساس بالمسافة.. فالمسافة بينك وبين هذا الكتاب على سبيل المثال، هي ذلك الشعور بالفراغ الذي يتكون في المخ.. فالأجسام التي يظنها المرء بعيدة عنه توجد أيضا داخل مخه.. فمثلا،عندما يراقب الإنسان النجوم في السماء، يظن أنها تبعد عنه ملايين السنين الضوئية، ولكن ما "يراه" من نجوم يوجد أيضا داخل المخ في مركز الإبصار.. وبينما تقرؤون هذه الأسطر، لستم- كما تظنون- داخل الغرفة التي تجلسون فيها، بل إن الغرفة هي التي توجد داخلكم، ولكن لأنكم تستطيعون رؤية أجسامكم، فإنكم تظنون أنكم بداخل الغرفة.. ومع ذلك، فإن عليكم أن تتذكروا أنّ أجسامكم هي أيضا صور تكونت داخل أمخاخكم.
وما سبق ينطبق على بقية الحواسّ.. فعندما تظن أنك تسمع صوت التليفزيون في الحجرة المجاورة، فإنك في الواقع تسمع الصوت الذي يوجد داخل مخك وتتفاعل معه.. فلا يمكنك إثبات وجود غرفة مجاورة لك، ولا أنّ هناك صوتًا يصدر من تليفزيون بداخلها.. فالصوت الذي تسمعه على بعد أمتار منك والمحادثة التي يجريها شخص مع آخر بالقرب منك، كلاهما يتكون داخل بقعة صغيرة لا تتعدى بضعة سنتيمترات مربعة، هي مركز السّمع بالمخ.. وبدون مركز الإدراك الحسي هذا، لا يوجد ما يسمّى باتجاه اليمين أو اليسار أو الأمام أو الخلف.. أي أن الصّوت لا يأتي من أيّ من هذه الاتجاهات أو حتى من الهواء، فالاتجاهات ذاتها لا وجود لها.
وكذلك الروائح التي نشمها.. فنحن لا نشم هذه الروائح عن بعد، بل نعتقد أن ما يصل إلينا في النهاية عن طريق مركز الشم في المخ هو رائحة الأجسام الموجودة في الخارج.. ومع ذلك، فكما أن صورة الزهرة تتكون داخل مركز الإبصار، فإن رائحة هذه الزهرة كذلك تتكون داخل مركز الشم في المخ.. فلا وجود في العالم الخارجي للزهرة ولا لرائحتها.
إن "العالم الخارجي" الذي ندركه بحواسنا، ما هو إلا "الإشارات الكهربائية" التي تصل إلى المخ.. وعلى مدار حياتنا، تخضع هذه الإشارات لعمليات مختلفة في المخ، فنحيا دون أن ندرك الخطأ الذي وقعنا فيه، بافتراض أن ما نراه هو أصل المادة التي يتكون منها "العالم الخارجي".. وقد ضللنا لأننا لا يمكن أن نصل إلى المادة ذاتها بحواسنا.
إنّ المخ هو المسئول عن التفسير وإعطاء معنى للإشارات التي نفترص أنها هي "العالم الخارجي".. فعندما نرى ألوانا مختلفة، فإنّ ما يصل إلى أعيننا هو مجرد إشارات كهربائية مختلفة الطول الموجي، والمخ هو الذي يحول هذه الإشارات إلى ألوان.. فلا توجد أي ألوان في "العالم الخارجي".. فلا التفاحة لونها أحمر، ولا السّماء لونها أزرق ولا الأشجار لونها أخضر.. فهي تبدو بألوانها هذه لأننا نستقبلها بهذا الشكل.. إنّ "العالم الخارجي" يعتمد كليا على وسيلة الإدراك.
وقد يؤدى خلل بسيط في شبكية العين إلى إصابتها بعمى الألوان، فيرى بعض الناس اللون الأزرق على أنه لون أخضر، ويرى البعض الآخر اللون الأحمر أزرق، ويرى آخرون الألوان كلها كدرجات مختلفة من لون واحد فقط هو الرمادي.. وفى هذه المرحلة لا يهم كثيرا ما إذا كان الجسم الخارجي ملونا بالفعل أم لا.
ويناقش المفكر المعروف "بيركلي" Berkeley هذه الحقيقة بقوله:
"في بداية الأمر كان الاعتقاد الشائع هو أن الألوان والروائح.. "توجد بالفعل" في العالم الخارجي، ولكنّ وجهات النظر هذه تم التخلّي عنها فيما بعد، فقد ثبت أن وجودها إنما هو متوقِّف على إحساساتنا".(178)
والنتيجة التي نخلُص إليها، هي أننا لا نرى الأجسام ملونة لأن لها لونها الخاص بها، أو لأن لها وجودها المادي المستقل في العالم الخارجي.. إن حقيقة المادة هي أن كل الصفات التي نضفيها على الأشياء والأجسام إنما توجد بداخلنا فقط وليس في "العالم الخارجي".
وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يبقَى إذن من "العالم الخارجي"؟
((ملحوظة: بسبب خداع الخواس هذا، لا نسمع الموجات فوق الصوتية ولا تحت الصوتية، ولا نرى الجنّ ولا الملائكة ولا الأشعة تحت الحمراء ولا الكائنات الدقيقة ولا الموجات الكهرومغناطيسية، ولا نشعر بدوران الأرض حول نفسها....... إلخ... بل إنّ أجهزتنا نفسها عاجزة عن إدراك مواقع النجوم، بسبب اعتمادها على ظاهرة الضوء، وسرعته بطيئة بصورة مذهلة بالنسبة لأبعاد هذه النجوم، فلا يصلنا إلا بعد ملايين السنين، حيث لا نعرف إذا ما كانت هذه النجوم موجودة فعلا أم انفجرت منذ عصور!!.. نحن لا نشاهد حاضر الفضاء، بل حلقات متصاعدة من ماضيه!!.. أريد أن أسأل مخلوقا عاجزا كهذا اخترع أجهزة عاجزة كهذه: أيّ غرور هذا الذي صوّر لك أن تجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ _قعقاع))
ألا مفرّ من وجود "العالم الخارجي"؟
لقد تكرّر حديثنا حتى الآن عن "عالم خارجي" وعن عالم من الإدراكات يتشكل داخل عقولنا، وهو العالم الذي نراه.. لكن مادمنا لن نصل أبدا إلى "العالم الخارجي"، فكيف نتأكد أن عالَماً كهذا يوجد بالفعل؟
في واقع الأمر ليس بإمكاننا أن نتأكد، فما دامت كل الأجسام التي نراها هي مجموعة من الإدراكات الحسية التي لا توجد إلا في الأذهان، فإنه يصبح أكثر دقةً أن نقول، إن العالم الوحيد الموجود هو عالم الإدراكات الحسية.. العالم الوحيد الذي نعرفه هو الذي يتشكل داخل المخ، وهذا هو العالم الوحيد الذي نحن على يقين من وجوده.
إننا لا نستطيع إثبات أن ما ندركه داخل عقولنا له أصل مادي، فهذه الإدراكات يمكن أن يكون مصدرها وهميا. ((هل شاهدتم فيلم ماتريكس أو فيلم الطابق 13؟ _قعقاع))
ويمكن لنا أن نلاحظ ما يلي: إن التنبيهات الوهمية يمكن أن تخلق داخل عقولنا صورة خيالية تماما للعالم المادي.. ولنأخذ المثال التالي: فلنتخيل جهاز تسجيل حديثا يمكنه التقاط جميع الإشارات الكهربائية وتسجيلها.. وليكن أول ما نقوم به هو نقل جميع البيانات المتعلقة بموقف معين (وليكن جسدك أحد عناصر هذا الموقف) إلى جهاز التسجيل هذا، بتحويل هذه البيانات إلى إشارات كهربائية.. ثمّ فلنتخيل معا أن بإمكان مخك أن يحيا خارج الجسد.. وأخيرا، فلنربط بين جهاز التسجيل والمخ (المفترض وجوده خارج جسدك) عن طريق موصلات كهربائية (تقوم بوظيفة الأعصاب)، ثم نرسل الإشارات التي سبق تسجيلها إلى المخ.. إن الشعور الذي سينتابك في هذه الحالة هو أنك تعيش في موقف "صنعته" أنت بنفسك، ويصبح من السهل أن تصدق أنك تقود سيارتك على الطريق السّريع ((هناك أبحاث حول الواقع الافتراضيّ بالفعل.. بل إنّ هناك أمثلة أبسط منه، فالذين يدخلون أفلام السينما المجسمة، يندمجون وسط الصورة المجسمة، لدرجة أنّهم قد ينحنون إذا ما اندفعت نحوهم صورة الطائرة المقاتلة!!.. _قعقاع)).. ويصعب عليك إدراك أنك لا تتكون من شيء سوى مخك، لأنّ تكوين عالم داخل عقلك لا يتطلب وجود هذا العالم بالفعل، بل يتطلب فقط وجود تنبيهات، ومن الممكن تماماً أن يكون مصدر التنبيهات "مصطنعا" مثل جهاز التسجيل في المثال السابق.
وعن هذا يقول العالم والفيلسوف الكبير "برتراند راسيل (Bertrand Russel):
"أما ما نشعر به عندما نضغط بأطراف أصابعنا على طاولة ما، فهو يرجع إلى الاضطراب الكهربائي الذي يحدث في الإلكترونات والبروتونات الموجودة في أطراف أصابعنا، وطبقا لعلم الفيزياء الحديث، فإنه يحدث بسبب تقارب الإلكترونات والبروتونات الموجودة على الطاولة.. ولو أن هذا الاضطراب الكهربائي نفسه الذي حدث في أطراف أصابعنا قد حدث بأي أسلوب مختلف، لشعرنا بالشعور نفسه ولو لم تلمس أصابعنا سطح أي طاولة".(179)
نعم، من السّهولة بمكان أن ننخدع فنعتبر الإدراكات الحسية التي ليس لها أي صلة مادية بالواقع أشياء حقيقية.. ففي أحلامنا يحدث كثيرا أن نرى أحداثا وأناسا وأشياء ومواقف تبدو لنا واقعية تماما، ولكنها في الحقيقة ليست سوى إحساسات تدركها المراكز الحسية بالمخ لا أكثر.. فليس هناك فرق جوهري بين الأحلام و"العالم الخارجي الواقعي"، فكل منهما نشهده في العقل.
من الْمُدرك؟
مما ناقشناه حتى الآن، يتضح بلا شك أن العالم الذي نظن أننا نعيش فيه أو ما نطلق عليه "العالم الخارجي"، لا يوجد إلا في عقولنا فقط.. وهنا يظهر سؤال على قدر كبير من الأهمية: فإذا كانت جميع الأحداث المادية التي نعرفها ما هي إلا إدراكات حسية داخل المخ، فماذا عن المخ ذاته؟
فبما أن المخ جزء من العالم المادي شأنه شأن الذراع والقدم وأي جزء آخر، فإنه يجب أن يكون كذلك مجرد إدراك حسي مثل بقية الأجسام الأخرى تماما.
ولنأخذ من الأحلام مثالا لإلقاء مزيد من الضوء على الموضوع.. فإذا كنا نحلم بهذه الطريقة، فسيخيل إلينا أن لدينا ذراعاً وبدناً وعيناً ومخاً، وإذا ما سألَك شخص ما أثناء الحلم "أين ترى؟" لأجبته: "إنني أرى في مخي".. ومع ذلك، فإنه لا يوجد أي مخ مما نتحدث عنه.. كل ما هنالك بدن خيالي ورأس خيالي ومخ خيالي.. أما الكائن الذي يرى هذه الصور الخيالية فهو ليس "المخ الخيالي" الذي نراه في الحلم، ولكنه كائن آخر أرقى بكثير.
نحن نعلم أنه لا يوجد فرق جوهري بين الوضع الذي نكون فيه أثناء الحلم، والوضع الذي نطلق عليه الحياة الواقعية التي نعيشها.. لذالك فعندما تُسأل السؤال السابق ("أين ترى") في الوضع الذي نطلق عليه الحياة الواقعية، فإن الإجابة بـ "في مخي" تكون لا معنى لها، تماماً مثلما رأينا أنها لا معنى لها في المثال السابق.. ففي كلتا الحالتين، فإن الذي يرى ويدرك ليس هو المخ، الذي لا يعدو كونه قطعةً من اللحم لا حياة فيها.
وإذا ما قمنا بتحليل المخ، فسنجد أنه لا يوجد به إلا دهون وبروتينات.. وهذه المكونات نفسها توجد في كثير من الأعضاء الحيّة الأخرى.. أي أنه لا يوجد في قطعة اللحم التي نطلق عليها "المخ" ما يجعلنا نرى صورا مختلفة، أو يشكل لدينا الوعي، أو يوجِد لدى كل منا الكيان الذي يسميه "أنا".
ويشير "ر. ل. جريجوري" (R.L. Gregory) إلى الخطأ الذي يقع فيه الناس فيما يتعلق بإدراك الصور في المخ:
""يجب أن نتجنب الإغراء الذي يقودنا إلى القول بأن العين تكوّن الصور داخل المخ.. ووجود صورة في المخ يتطلب ما يشبه العين الداخلية لرؤيته، مما يتطلب عينا أخرى لرؤية الصورة.. وهكذا دواليك.. عدد لا نهائي من الأعين والصور، مما يجعل الأمر يبدو سخيفا للغاية" (180).
هذه هي النقطة الرئيسية التي تضع الماديين، الذين لا يؤمنون بوجود شيء غير المادة، في مأزق: فلمن تكون "العين الداخلية" التي ترى وتدرك ما ترى وتستجيب له؟
وقد ركز "كارل بريبرام" (Karl Pribram) على هذا السؤال الهام في العلوم والفلسفة، وهو ماهية المدرِك:
"منذ عهد اليونانيين، والفلاسفة يفكرون عن "الشبح الموجود داخل الآلة"، و"الإنسان الصغير الموجود داخل الإنسان الصغير"، إلخ.. ويطرحون ذلك السؤال: "أين أوجد أنا"؟.. من الشخص الذي يستخدم عقله؟.. من هو ذلك الكائن الذي يدرك ويعرف؟.. فكما يقول القديس فرنسيس من "أسِّيسي" (Saint Francis of Assisi) : "إن ما نبحث عنه هو الكائن الذي يرى".(181)
والآن فكر في هذا: الكتاب الذي تقرؤه والحجرة التي تجلس فيها، وباختصار كل الصّور التي أمامك تراها داخل مخك.. فهل الذرات إذن هي التي ترى هذه الصّور، وهي ذرات عمياء، صماء، لا وعي لها ولا إدراك؟.. ولماذا اكتسبت بعض الذرات هذه الخاصية ولم تكتسبها غيرها من الذرات؟.. وهل كل ما نفعله من تفكير، وفهم وإدراك وتذكّر وشعور بالسعادة أو الحزن، يتكون من تفاعلات كهربائية ميكانيكية بين هذه الذرات؟
وعندما نفكر في هذه الأسئلة، نجد أنه من غير المجدي أن نحاول البحث عن الإرادة في الذرات.. فمن الواضح أن الكائن الذي يرى ويسمع ويشعر هو كائن أرقى من المادة بكثير.. هذا الكائن هو كائن "حي" وليس مجرد مادة أو صورة لمادة.. وهذا الكائن يربط بين المدركات الحسية التي أمامه مستخدما صورة جسده.
هذا الكائن هو "الروح":
إن هذه الإدراكات الحسية، التي نطلق عليها مجتمعةً "العالم المادي"، هي عبارة عن حلم تعيشه هذه الروح.. فكما أن الجسد الذي نملكه والعالم المادي الذي نراه في أحلامنا لا وجود لهما في الواقع، كذلك الكون الذي نشغله ونوجد فيه والجسد الذي نملكه ليس لهما حقيقة مادية.
إن الكائن الحقيقي الوحيد الموجود هو الروح، أما المادة فليست سوى إدراكات حسية تراها الروح.. فالكائن الأرقى والأذكى الذي يكتب ويقرأ هذه السطور ليس مجرد ركام من الذرات والجزيئات ومجموعة من التفاعلات الكيميائية التي تتم بينها.. إن هذا الكائن هو "الروح".
الكائن المطلق الحقيقي:
إنّ كل هذه الحقائق تضعنا أمام سؤال آخر في غاية الأهمية.. إذا كان ما نعرفه عن العالم المادي يتكون من بضعة إدراكات حسية نراها بأرواحنا، فما هو مصدر هذه الإدراكات؟
وعند إجابتنا على هذا السؤال، يجب أن نأخذ الحقائق التالية في الاعتبار:
إن المادة ليس لها كيان ذاتي مستقل، وما دامت المادة عبارة عن إدراك فحسب، فهي إذن شيء "مصطنع".. ومعنى هذا أنه لا بد أن يكون مصدر هذا الإدراك قوة أخرى، أي أنه لابد أن يكون قد خُلق.. إضافة إلى هذا، فإن عملية الخلق يجب أن تكون مستمرة، فإذا لم تكن كذلك، فإن ما نطلق عليه المادة سوف يختفي.. ويمكن تشبيه ذلك بالصورة التي تظل ظاهرة على شاشة التليفزيون طالما استمر البث التلفزيوني.. فمن إذن الذي يجعلنا ندرك ونبصر بأرواحنا النجوم والأرض والنبات والأشخاص وأجسامنا وكل ما نراه بخلاف ذلك؟
((بالمناسبة: مثل هذا الإدراك لحقيقة العالم يحلّ أسئلة معقّدة جدا، مثل: أين نهاية الكون، وماذا بعد النهاية، وما هي الـ "ما لا نهاية"، وما هو أصغر جسيم، وكيف يكشف العلم أنّ الذرة في النهاية هي شحنات كهربية وأنّها صورة من صور الطاقة (أي أنّه لا توجد مادة أصلا، بل طاقة، والعقل هو الذي يصوّر لنا العكس!!).. وما هو الزمن، وكيف يكون مخلوقا، بل كيف تكون فكرة الخلق نفسها مخلوقة.. وما هي البداية، وماذا قبل البداية، وما هو العدم..... إلخ.. فكلّ هذه التعقيدات تنتهي حينما تعرف أنّها صوّرت لك كذلك.. ولو صدقنا هذا الفرض، فإنّه لا يقلّل من الإعجاز في الخلق، لأن كمّ التعقيد والتقنين والتنظيم في الأمر أجلّ من أن يتصوّر، سيّما وأنّ هذه القوانين تتيح لنا أن نصل مع تراكم المعرفة، إلى إدراك حقيقة العالم الذي نحيا فيه.. فعلا: "الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا"_ قعقاع)).
يتضح إذن ضرورة وجود خالق عظيم، خلق الكون المادي بأسره، الذي يتكون من مجموع الإدراكات الحسية، ويستمر في عملية الخلق إلى ما يشاء.. وحيث إن هذا الخالق يظهر لنا تلك الأدلة الرائعة على الخلق، فهو إذن ذو قوة أبدية وقدرة على كل شيء.. إن هذا الخالق العظيم يُعرّفنا بنفسه.. فقد أرسل إلينا كتاباً منزَلا، وفي ذلك الكتاب وصف نفسه، سبحانه وتعالى، ووصف الكون، وبين لنا سبب وجودنا.
هذا الخالق هو الله سبحانه وتعالى، وكتابه هو القرآن الكريم.
إن حقيقة عدم استقرار السماوات والأرض وعدم ثباتها ،أي الكون، وأن وجودهما ممكن فقط لأن الله قد خلقهما وأن هذا الكون سيختفي عندما يشاء العليّ العزيز إنهاء خلقه، يأتي في سياق الآيات القرآنية الكريمة التالية:
{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (سورة فاطر، الآية 41).
وكما سبق أن ذكرنا في البداية، فإن بعض الناس لا يدركون الله إدراكا حقيقيا، ويتخيلونه كائنا موجودا في مكان ما في السماوات ولا يتدخل في شؤون الدنيا.. وأساس هذا الاعتقاد هو أن هذا الكون عبارة عن مجموعة من المكونات المادية، وأن الله يوجد في مكان ما خارج هذا العالم المادي، بل في مكان يبعد عنه كثيرا.. ويظهر ذلك في بعض الأديان الأخرى التي تقصر الإيمان بالله على هذا الاعتقاد.
ولكن المادة، كما بيّـنا، تتكون من مشاعر وأحاسيس فقط.. والكائن المطلق الحقيقي الوحيد هو الله سبحانه وتعالى.. ومعنى ذلك أن الله وحده هو الموجود ولا أحد سواه: وأن كل ما عداه موجود كالظّلال.. وبالتالي يستحيل تصوّر أن الله كائن مستقل يوجد خارج هذه الكتلة المادية بأسرها.. فالله سبحانه وتعالى موجود في "كل مكان" ويسع ملكه كل شيء.. ويوضح القرآن هذه الحقيقة كما يلي:
{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (سورة البقرة- آية الكرسي 255).
أما حقيقة كون الله مُنزّها عن المكان ومحيطا بكل شيء، فيوضحها الله لنا في آية أخرى بقوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة البقرة- الآية 115).
ومادامت الكائنات المادية مجرد إدراكات حسية، فهي إذن لا يمكن أن ترى الله.. غير أن الله يرى المادة التي خلقها بجميع أشكالها.. ويوضح القرآن هذه الحقيقة بقوله:
{لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (سورة الأنعام - الآية 103)
إن أبصارنا لا يمكن أن تدرك الله، ولكن الله محيط بما في صدورنا ويعلم ما تسرّه أنفسنا ويعلم إلى أين تتجه أنظارنا وأفكارنا.. فنحن لا نتفوه بكلمة دون علمه.. بل ولا نتنفس دون مشيئته.
وبينما نحن نعيش عالم المحسوسات هذا، فإن أقرب الكائنات إلينا ليس هو أحد هذه المحسوسات، بل هو الله سبحانه وتعالى.. والآية القرآنية التالية تؤكد هذه الحقيقة:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِس بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (سورة ق - الآية 16).
ولكن عندما يعتقد الإنسان أن جسده مصنوع من "مادة"، لا يستطيع أن يتفهم أو يدرك هذه الحقيقة الهامة.. وإذا اعتقد أن مخه هو الذي يمثله هو "نفسه"، فإن المكان الذي يمثل بالنسبة إليه العالم الخارجي سيصبح على بعد 20 - 30 سم منه.. ولكنه إذا ما أدرك أنه لا يوجد ما يسمى مادة، وأن كل الموجودات حوله مجرد خيال، فإن مفاهيم من قبيل الخارج والداخل والقرب تفقد معناها.. إن الله هو المحيط بالإنسان "والأقرب له" من حبل الوريد.
ويخبر الله تعالى البشر بهذا القرب المطلق في الآية التالية: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة - الآية 186).
والتعبير القرآني في آية أخرى: {... إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاس...} (سورة الإسراء - الآية 60) يؤكد الحقيقة نفسها.
يخطئ الإنسان عندما يظن أنه أقرب مخلوق إلى نفسه.. فالله أقرب إلينا من أنفسنا. يقول الله عزّ وجلّ:
{فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} (سورة الواقعة- الآيات 83-85).
لكن كما هو واضح في الآية القرآنية، لا يشعر الناس بهذه الحقيقة المذهلة لأنهم لا يرونها بأعينهم.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن للإنسان الذي ليس سوى كائن كالظِّل، أن يكون ذا إرادة مستقلة عن الله.. والآية التالية تبين أن كل مل نقوم به وكل ما نمر به هو تحت سيطرة الله تعالى:
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون} (سورة الصافات - الآية 96).
والقرآن الكريم يبين هذه الحقيقة في الآية التالية أيضا:
{...وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى...} (سورة الأنفال - الآية 17).
وهذه الآية تدل على أن أي فعل يقوم به الإنسان هو بأمر الله.. فالإنسان لا يستطيع أن يقوم بفعل الرمي بنفسه لأنه كائن كالظل.. فالله سبحانه وتعالى يبث في الإنسان شعوره بنفسه.. فالله هو الذي يفعل كل شيء، ولذلك، فإذا ظنّ المرء أنه يفعل أي شيء بإرادته، فمن الواضح أنه يعمد إلى خداع نفسه.
إن هذه هي الحقيقة، ولكن الإنسان قد لا يود التسليم بهذه الحقيقة، فيظن أنه كائن مستقل بذاته عن إرادة الله.. ولكن هذا لا يغير من حقيقة الأمر شيئا. فحتى إنكار الإنسان لهذه الحقيقة هو بإرادة ومشيئة الله تعالى.
كل ما يمتلكه الإنسان وهم وخيال:
وكما يتضح لنا، فإن من الحقائق العلمية والمنطقية أن "العالم الخارجي" ليس له أصل ماديّ وإنما هو مجموعة من الصور التي يبثها الله باستمرار لأرواحنا كي تراها.. ومع ذلك، فالناس لا يضعون عادةً كل شيء تحت هذا المفهوم، أو بالأحرى فهم لا يريدون ذلك.
ولكنك إذا ما أمعنت التفكير بصدق وجرأة في هذه المسألة، فستجد أن منزلك وما به من أثاث، وسيارتك التي ربما اشتريتها حديثا، ومكتبك ومجوهراتك وحسابك في البنك، وخزانة ملابسك وزوجتك وأطفالك وزملاءك.. كل هؤلاء ما هم إلا جزء من العالم الخارجي الخيالي الذي يظهر لك.. وكل ما تراه وتسمعه وتشمه- باختصار كل ما تدركه بحواسك الخمس- هو جزء من هذا العالم الخيالي: صوت مغنيك المفضل، وصلابة المقعد الذي تجلس عليه، والعطر الذي تضعه، والشمس التي تدفئك بأشعتها، والزهرة بألوانها الجميلة، والطائر الذي يطير أمام نافذتك، والقارب الذي يبحر سريعا في المياه، وحديقتك الخصبة والكمبيوتر الذي تستخدمه في عملك، أو جهاز التسجيل الحديث.
وهذا هو الواقع، لأن العالم الذي يتكون من هذه الصور لم يُخلق إلا لاختبار البشر.. وهم يخضعون للاختبار على مدار حياتهم القصيرة بصورة غير حقيقية.. وهذه الصور قدمت للبشر في شكل جميل وجذاب، وكان ذلك مقصودا.. وقد ذكر الله هذه الحقيقة في القرآن الكريم في قوله تعالى:
(زُيِّنَ لِلنَّاس حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (سورة آل عمران - الآية 14).
إن معظم الناس ينحّون دينهم جانبا، ويهتمون أكثر بما يمتلكون وبالغنى وتخزين الذهب والفضة والأموال والمجوهرات وحسابات البنوك والبطاقات الائتمانية والدواليب المكدسة بالملابس وامتلاك أحدث السيارات.... وباختصار، فهم يفضلون كل أشكال الرفاهية التي يمتلكونها أو التي يسعون جاهدين لامتلاكها ويركزون على هذا العالم فقط وينسون الآخرة.. إنهم ينخدعون بزخرف الحياة الدنيا وزينتها وينسون الصلاة والإحسان إلى الفقراء وأداء العبادات التي ستقودهم إلى الفوز في الآخرة.. وهم يبررون ذلك بقول مثل: "إن لدي ما أفعله الآن".. "لدي الكثير من المسؤوليات".. و"ليس لدي وقت كافٍ لأفعل ذلك".. "يتعين علي إنهاء بعض الأعمال".. "سألتزم بالصلاة والزكاة مستقبلا".. وهم يستهلكون حياتهم بمحاولتهم التمتع في الحياة الدنيا فقط.. والآية القرآنية التالية تصف خلط الإنسان للمفاهيم على النحو الذي أشرنا إليه:
{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (سورة الروم - الآية 7).
إنّ الحقيقة التي سقناها في هذا الفصل - والتي تتمثل في أن كل شيء ليس سوى صورة - على قدر كبير من الأهمية، لأنها تعني أن كل الرغبات والحدود لا معنى لها.. وإثبات هذه الحقيقة يعني بوضوح أن كل شيء يمتلكه الإنسان ويسعى لامتلاكه، مثل الثروة التي كونها بجشعه وذريته التي يزهو بها، وزوجته التي يدعي أنها الأقرب إلى نفسه، وأصدقائه المقربين، ومنصبه الذي يمده بالقوة والفخر، والمدارس التي درس بها والعطلات التي قضاها، كل هذا ما هو إلا وهم وخيال ((لاحظ أنّ هذا هو إحساسنا تجاه ذكرياتنا، فأحيانا نشعر وكأنّها أوهام بعيدة لم تحدث، فالمتعة ذهبت، والألم مات، ولم تبق سوى خبرة مجردة في العقول _قعقاع)).. ولذلك فإن كل الجهود التي يبذلونها والوقت الذي يستنزفونه والجشع الذي يعمي أعينهم سيذهب هباء منثورا.
إنّ بعض الناس يظهرون جهلهم دون وعي منهم، عندما يتباهون بغناهم وثرائهم أو ممتلكاتهم من "اليخوت والطائرات الهليوكوبتر الخاصة والمصانع والشركات والمنازل والعقارات"، وكأن كل هذه الأشياء توجد بالفعل.. فهؤلاء الأثرياء الذين يتباهون بطريقة تلفت الأنظار في يخوتهم وسياراتهم ولا يكلّون من الحديث عن ثرواتهم، ويعتقدون أن مناصبهم تجعلهم فوق سائر البشر، ويظنون أن نجاحهم يرجع لكل هذه الأشياء فقط، يجب عليهم التفكير مليا في الحالة التي سيصبحون عليها عندما يكتشفون أن نجاحهم هذا ما هو إلا وهم وخيال.
ونحن في واقع الأمر نشاهد ذلك في الأحلام كثيرا.. ففي أحلامهم، يمتلك الناس أيضا منازل فخمة، وسيارات سريعة ومجوهرات ثمينة جدا ورزم الدولارات وأكواما مكومة من الذهب والفضة.. وفي أحلامهم أيضا يرون أنفسهم في مناصب رفيعة، ويملكون مصانع يعمل فيها الآلاف من العمال، ويملكون من القوة ما يستطيعون به السيطرة على كثير من الناس، ويلبسون من الثياب ما يلقى إعجاب الجميع واستحسانهم.. وكما أن الإنسان يكون مثار سخرية عندما يتباهى بما يملكه في أحلامه، كذلك يصبح مثار سخرية عندما يتباهى بما في هذا العالم الذي يعيش فيه.. فكلاهما مجرد صور وتخيلات في عقله فقط. ((لا يجب أن يأخذ هذا الكلام كدعوة للزهد المطلق، فالإسلام يأمرنا بالاعتدال بين رغباتنا وأرواحنا "ولا تنس نصيبك من الدنيا"، وذلك حتّى نستطيع توفير الظروف المثلى للسيطرة على الحياة والارتقاء بالعلم وفهم الحقيقة والالتزام بها.. وفي النهاية: لا أحد يستطيع تجاوز ما ركّب فيه من الغرائز، فهذا أعلى من إرادته.. لكن المطلوب هو فقط تنظيمها وفقا لضوابط الشريعة _قعقاع))
وبالمثل، فإنّ الطريقة التي يستجيب بها الناس للأحداث التي تجرى حولهم في العالم، يجب أن تشعرهم بالخجل من أنفسهم عندما يدركون الحقيقة.
إن هؤلاء الذين يحارب بعضهم بعضا بشراسة، ويصيحون بغضب ويخدعون ويقبلون الرشاوى ويقومون بالتزوير، والذين يكذبون ويكدّسون أموالهم بدافع الجشع، ويخطئون في حق الآخرين، والذين يظلمون الآخرين ويتلفظون بالشتائم، والذين يعتدون بوحشية على الآخرين وعلى حقوقهم، والذين يحبون المناصب والسّلطة، والذين يحسدون غيرهم، ويتفاخرون، والذين يحاولون تقديس أنفسهم والاستعلاء على سائر البشر، كل هؤلاء سيصيبهم الخزي في الدنيا والآخرة عندما يدركون أنّ كل ذلك كان مجرد حلم.
وحيث إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق كل هذه الصور، فهو المالك وحده لا شريك له لكل شيء. ويبرز القرآن الكريم هذه الحقيقة في قول الله تعالى:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} (سورة النساء - الآية 126).
إنه لضرب من الغباء أن ينحّي المرء دينه وإيمانه جانبا في سبيل مشاعر وأحاسيس وهمية، فيخسر الحياة الآخرة التي هي النعيم الذي لا يزول.
يجب علينا في هذه المرحلة أن نتفهم جيدا الأمر التالي: إنّ ما نسوقه هنا من حديث لا يقول بأن الحقيقة التي تواجهها تعني "أن كل ممتلكاتك وثروتك وذريتك وزوجاتك وأصدقاءك ومنصبك الذي يبعث فيك الشعور بالزهو سيختفي إن عاجلا أو آجلا، ولذا فهي لا تعني شيئا".. ولكن ما نقصده هو "أن كلّ ما يبدو لك أنك تملكه لا وجود له أساسا وهو مجرد حُلم يتكون من صور يريها لك الله تعالى ليختبرك".. وكما ترى، فإنّ الفرق بين المقولتين كبير.
وبالرغم من أن الإنسان لا يريد الاعتراف بهذه الحقيقة على الفور ويفضل أن يخدع نفسه وأن يفترض أن كل ما يملكه موجود بالفعل، فإنه سيواجه مصيره الأخير وهو الموت، وعندئذ تتضح الحقيقة عندما يُبعَث مرة أخرى.. ففي ذلك اليوم سيبصر الإنسان كل شيء على حقيقته كما توضح لنا الآية الكريمة: {...فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (سورة ق - الآية 22).. وهو إن كان قد قضى حياته الدنيوية سعيا وراء أغراض خيالية، فسوف يتمنى في الآخرة لو أنه لم يعش مثل تلك الحياة في الدنيا:
{يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه} (سورة الحاقة- الآيات 27-29).
أما الإنسان العاقل فيجب عليه أن يحاول أن يفهم ويدرك حقيقة هذا الكون وهو لا يزال في عالمه وبين يديه فسحة من الزمن.. وإلا سيقضي حياته سعيا وراء الأحلام، وسيلقى في النهاية أشد العذاب.. والله تعالى يصف لنا عاقبة هؤلاء الذين يلهثون وراء الخيالات أو "وراء السراب" ويتناسون خالقهم بقوله:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (سورة النور - الآية 39 ).
أوجه القصور المنطقي في وجهة نظر الماديين:
لقد بـيَّـنَّا منذ بداية هذا الفصل أن المادة ليست ذات وجود مطلق كما يَدّعي الماديون، بل هي مجموعة من الأحاسيس التي خلقها الله.. ولكن الماديين يقاومون في تعصب شديد هذا الواقع الملموس الذي ينقض فلسفتهم، التي تسوق حججا واهية ليست من الحق في شيء.
لقد ساق لنا "جورج بوليتزر" (George Politzer)- أحد أشهر المدافعين عن الفكر الماديّ في القرن العشرين والمتعصب للماركسية - مثالا عن الحافلة "كأعظم دليل" على وجود المادة.. يقول "بوليتزر":
"حتى الفلاسفة الذين يؤمنون بأن المادة عبارة عن إحساس وإدراك، يهربون مبتعدين عن مسار الحافلة إذا ما رأوها، وما هذا إلا إثبا