الدِين-ما بين التطور والكشف
#1
هناك غريزة في الإنسان تجعله يريد أن يعلن لزملائه الناس عن الحق كما اقتنع به. ولولا هذه الغريزة لما وُجد منتدى الحوار الديني وغيره في هذا النادي العزيز. ومن يفتش عن الحق ليعلنه للآخرين جدير به أن يكابد. كما أن هناك غريزة أخرى للإنسان, وهي حُب الاطلاع, وهذا من أسباب قراءتك لمقال كهذا.

ورث الإنسان بيئة طبيعية, وحصَّل بيئة اجتماعية وتصَّور بيئة خيالية. فكانت الحكومة تفاعله لبيئته الطبيعية, والعائلة نتيجة بيئته الاجتماعية, والدِين تجاوبه لبيئته الخيالية.
الدِين سلف لكل الآداب والأخلاق المتقدمة لتطور اجتماعي تقدمي وكان دائماً المحافظ على الأخلاق والراسخ للمجتمع, لكنه أيضاً الأكثر تصلباً ضد التغيير من كل المؤسسات الإنسانية؛ على أنه ينضبط ببطئ لمجتمع متغير. الضروريات تربط الناس دائماً بالواقعية, والبيئة سادت غالباً على الدِين.
هناك مصدران ممكنان للدِين: التطور والكشف. وبما أن عقل الإنسان يستوعب كل عِلم جديد ببناءه على علومه السابقة فلذلك هنالك ثلاثة أنواع ممكنة من الأديان على هذا الكوكب في الوقت الحاضر:
1) أديان التطور.
2) أديان العقل أو الفلسفة.
3) خليط ما بين دِين الكشف وأديان التطور والعقل, لأن كل كشف جديد يتلوث حالاً أو فيما بعد بمعتقدات سابقة له.

قام الدِين التطوري لدى الإنسان البدائي كتفاعل العقل البيولوجي للمعتقدات الروحية والبيئة؛ وكان تعديلاً للمجتمع في أي عصر إلى الغامضات. كانت الغموض والقدرة الحافزان الداعمان للمشاعر الدينية والمخاوف, بينما عملت العواطف دائماً كعوامل مكيفة في نشؤها.
ولد الدِين البدائي نتيجة لخشية الغامض وخوف الغير المعروف ورهبة الغير مرئي, سوية مع الأحلام خلال النوم. الخوف موصول مع الجهل بالظاهرات الطبيعية أعطى مولد للدِين البدائي. حيث لم يجد الإنسان البدائي تفسيراً بادياً لتعاسته, استقر على تفسير خيالي (أو روحي) لها. وبتقدم المعرفة لدى الإنسان عن القوانين الطبيعية والتحكم بها عبر التطور, تطور الدِين تبعاً لتلك المعرفة. فالعِلم يطـَّهر الدِين دائماً بدحض الخرافات. وسيأتي يوماً يتعلم فيه الإنسان بأن لكل تأثير مسبب, وبأن لا وجود للحوادث الصدفية في الحياة.

عندما يُكشف الحق للإنسان فيجب أن يكون بواسطة كائنات فائقة عن الإنسان ويجب أن يجاري الكشف تطور الإنسان, أي سيكون محدوداً بالاستطاعة الإنسانية لاستيعابه. حيث أن زيادة الكشف تربك الإنسان وتجَّمد مخيلته, لذلك يجب أن يكون الكشف مناسباً للزمان والمكان الذي يُكشف خلاله. فمثلاً, ما النفع من شرح القوانين النووية أو الحقائق الفلكية للإنسان الصياد أو الراعي أو المزارع.
يتعلم الإنسان الصياد أولاً إيقاد النار وتدجين بعض الحيوانات ودباغة الجلود وصنع الثياب, ثم التعدين وحفظ الطعام والزراعة, فالتصنيع الزراعي وصناعة الآليات وهلم… طبعاً يتعلم الإنسان هذه الأشياء بالتطور بدون مساعدة كائنات فائقة عنه, لكن أهمية الكشف أنه يختصر سنين عديدة إن لم يكن قرون من التطور؛ الكشف الصحيح لا يعطي الإنسان مكتسبات علمية لا يستوعبها أو لم يكتسبها تطورياً, بل بالأحرى يسد ثغرات ناقصة أو غير معروفة في عِلمه وتقدمه. دائماً سيدفع الدِين المشايع لكشف جديد ثمن التسوية مع أشكال واستعمالات متأسسة في الدِين السابق.

أديان التطور تخلق آلهتها في صور وشبه الناس البشر؛ دِين الكشف يبحث ليطـَّور ويحَّول الإنسان البشري نحو صورة وشبه إرادة الخالق. الفرق الأساسي ما بين أديان التطور ودِين الكشف يكون بنوعية الحكمة الإلهية التي تـُضاف إلى خبرة إنسانية محض خبرانية.

لاحظ أننا نستعمل كلمة "كشف" وليس كلمة "وحي". هناك فرق ما بين كاشف الحق والمعلم الدِيني الذي قد يكون صادقاً فيما اعتقد بأنه أوحي إليه, أو قد يكون بارعاً في استغلال زملائه البشر. وحتى لو كان المعلم الدِيني صادقاً ومُخلِصاً, فأن المستمعين له يستوعبون تعاليمه كلُ حسب فهمه لها. لسنا هنا بوارد الحُكم على معتقدات الآخرين عن من اصطفى الخالق لإخبار الناس بأوامره وما يُنهي عنه, أو من هو استغلالي لمجتمعه وزمانه, وما أكثر هؤلاء في التاريخ. فتغيير معتقدات الناس من المستحيلات تقريباً, لأن الولاء الإنساني عندما يتقرر من الصعب جداً تغييره, لذلك نجد عمالقة ذكاء موثقين بشدة برباط الدِين. فالدِين هو أخر شيء يفنى في الأمة. الإنسان بطبيعته بطيء ليبدأ تغييرات في عادات تفكيره وفي فنون معيشته, ومصلحة الذات تغطي على المنطق. لذلك فقدرة الفكرة لا تكمن في ثبوتها وحقيقتها بل في نشاط روقتها للإنسان. ماذا يحدث عندما تصطدم المعتقدات الدينية مع المنطق العلمي؟ البعض يغطون رؤوسهم في رمال عدم المبالاة, بينما آخرون يلجئون باستيائهم للإلحاد.

أما الكشف الصحيح فيجب ألا يتغير من زمن إلى زمن آخر, بل يُزاد إليه مع كل كشف جديد, فقوانين الطبيعة والقوانين الروحية لا تتغير حسب الزمان والمكان, ما يتغير قد يكون طريقة استيعابها بالبشر المستمعين لها. لذلك, إنها حماقة لاعتبار الماضي كمصدر مطلق للحق. الحق نسبي ومتمدد, يعيش دائماً في الحاضر منجزاً تعبيرات جديدة في كل جيل إنساني, حتى في كل حياة إنسانية. أفضل ما يُعرف الحق الإلهي يكون بنكهته الروحية, والكشف الصحيح يُثبت شرعياً فقط بخبرة إنسانية. الدِين الصحيح لا يأخذ شيئاً من الوجود الإنساني, لكنه يزيد معاني جديدة لكل الحياة, إنه يوَّلد أشكالاً جديدة من الحماس والغيرة والشجاعة. الدِين الصحيح هو كشف للإنسان عن مصيره الأبدي والإلهي.

فكل تبشير بـِوحي لا يجاري العِلم, أو يستعمل الترهيب كوسيلة لانتشاره كتهديد غير المعتقدين به بعذاب لا ينتهي, أو يفرض ممارسات تجعل الحياة أصعب, يكون وحي زائف. الكشف الصحيح لا يجعل العِلم غير طبيعي ولا الفلسفة غير منطقية ولا الدِين غير معقول.
الرد


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  كتب هامة في التطور الروحي وفهم الحياة والموت والتناسخ والعودة للتجسد سعيد النورسي 0 1,041 02-07-2021, 02:25 AM
آخر رد: سعيد النورسي
  نظرية التطور مسألة علمية لا دينية فارس اللواء 12 31,000 03-25-2017, 11:16 PM
آخر رد: محمد المنسي
  القرآن يقول بنظرية التطور / حمدي الراشدي الفكر الحر 7 5,800 07-30-2011, 05:58 PM
آخر رد: الفكر الحر
  إلى المخدوعين بنظرية التطور - الديناصورات والخلق ((الراعي)) 20 11,796 12-25-2009, 05:08 PM
آخر رد: رسول الله
  الموبايل و انهيار نظرية التطور zaidgalal 10 4,735 04-07-2008, 08:39 AM
آخر رد: Beautiful Mind

التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 1 ) ضيف كريم