اهلا بك عزيزي القعقاع
و أعتذر عن الغياب بسبب السفر ، و لكن يمكن للمرء أن يسترق ساعة لمقارعة بعض الزملاء أثناء سفره .
تريد أن تناقش مسألة الحلم ، لا بأس
عزيزي ، أنا لا أقول أن الأحلام شيئاً فلسفيا بحد ذاتها ، بل طريقة تناولك لها أو باركلي أو هارون يحيى هو الفلسفي و ليس الحلم بذاته ، لأن الحلم له تفسيراته العلمية و دراسات و أجهزة و إلخ لفهم هذه الآلية ، و لكن اعتراضي على الفكرة التي يمكن تلخيصها بالتالي :
بما أنني في الحلم أرى عالماً أظن أنه واقعي و بشدة ، فهذا يجعلني أدعي أننا الآن نعيش حلماً نظنه واقعاً .
هذا هو الربط الفلسفي بين الحلم والواقع الذي أعترض على تسميته بالبحث العلمي ، لأنه بحثاً فلسفياً .
و بما أننا بدأنا بنقاش حجة الحلم هذه ، فلا بأس من مراجعة بعض الأفكار بها :
أولاً : هل يمكن أن تحلم بشيء لا يمكن تحليله لعناصره الواقعية ؟؟؟؟
قد تقول نعم سأحلم أنني في الجنة و أن بها أنهار و حور عين و غير ذلك ، سأقول لك الجنة مم تتكون ؟
تتكون من شجر و ظلال و عيون و أنهار إلخ ، نعم الجنة كما تتخيلها غير موجودة ، لكن عناصرها جميعها موجودة في حياتنا .
قد نعقد المسألة أكثر و نقول أن فلان حلم بجني بثلاثة رؤوس و خمسة عيون و فم في بطنه يطير في الهواء و ظله يحرق كل شيء الخ .
نعم هذا شيء غير موجود ، لكنه تجميع لعناصر موجودة ، فالعيون و الرؤوس و الفم و البطن و الطيران و الظل و الحريق و غير ذلك هي كلها أشياء موجودة في حياتنا ، لذلك نحن نحلم بها . و على هذا قِس جميع الأحلام و النهيؤات و الهلوسات و غير ذلك .
ماذا يعني هذا الكلام ، يعني أن دماغك لا يستطيع أن يحلم بأي شيء لا يتكون من عناصر واقعية أبداً ، مما يعني أن
الحلم هو إنعكاس للواقع و ليس إنتاجاً له .
المسألة الثانية :
هي كيف علمتَ أنك كنت تحلم ؟
هل تعلم هذا أثناء حلمك ؟
يقيناً لا تعلمه إلا عندما تستيقظ
و ربما تستيقظ و تحتاج لقليل من الوقت حتى تفهم أن هذا حلما و ليس حقيقة .
مما يعني أن الحلم بحد ذاته ليس له معنى إلا بعد الخروج منه ، و هذا يشبه التذكر أو التهيؤات أو الهلوسات إلخ ، فجميعها حين نعيشها لا ندرك حقيقتها إلا بعد الخروج منها ، فنقول "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من هيك منام" ، أليس كذلك ؟
و من هذا المنطلق يكون قياسك للواقع على أنه حلم هو قياس فاشل فضلاً عن كونه لا علاقة له بالعلم .
لماذا ؟
لأنك لا تستطيع أن تخرج من الواقع لتكتشف أنك كنتَ تحلم ، و حتى لو افترضنا أن الموت هو استيقاظ من حلم الوجود ، فكيف عرفتَ ذلك لتخبرنا به كما أخبرتنا عن أحلامك ؟؟؟
هل حدث أن عاد أحدٌ من الموت ليقول لنا كذا و كذا ؟؟؟
لهذا لا يمكن أن نقبل قياسك أبداً ، فأنت تقارن بين طرفين غير متوازيين (الحلم/الوجود)
و لكن الحلم كمفهوم تكون نتيجة الاستيقاظ ، بينما الواقع كمفهوم تكوّن بذاته و ليس كنتيجة لعودة أحد من الموت أو استيقاظ باركلي ليخبرنا بهذه المسألة .
المسألة الثالثة :
لو كان الوجود نتيجة لأحلامنا ، يعني أنا أحلم بكل شيء و أنكر وجودك الموضوعي خارج حلمي ، و أنت كذلك تحلم بي و بكل شيء و تنكر وجودي الموضوعي داخل حلمك ، لن تقنعني أنك موجود لو قطّعت نفسك من الصراخ أو البكاء ، سأقول لك أن كل ما تفعله هو من تمثّلات حلمي ، و لكني أعرف أنني شخصياً موجود ، لأنني أشعر بوجودي و لا أشعر بوجودك ، و لكن حتى هذه الحقيقة تدخل ضمن مأزق الحلم ، فقد يكون اعتقادي بوجودي هو مجرد حلم ، مما يعني أنني غير موجود ، , إن كنتُ كذلك فكيف أحلم بالوجود ؟
معضلة ستحتاج منك الكثير لحلها إن كنتَ مصراً على أن تسحب عالم الحلم على عالم الواقع ، و ليس العكس .
المسألة الرابعة :
لو اتفقنا بأن الحلم جماعي و ليس فردي ، يعني ليس فرداً بحد ذاته هو الذات الوحيدة الذي يحلم بكل شيء ، و خروجاً من المأزق السابق اتفقنا على أنني أنا أحلم بكل شيء و أنت تحلم بكل شيء كذلك المنفتح كذلك أيوب كذلك الآلاف الذين نراهم يومياً ، و هنا ستكون أمام مأزقين :
1- كيف يمكن أن يكون الستة مليارات شخص موجودين بذاتهم (لأنهم يحلمون) و في نفس اللحظة غير موجودين لأنهم نتاج حلم بعضهم البعض ؟؟؟؟
هذه ستشغلك كثيراً ريثما أنهي سفري :10:
2- لو تجاوزنا هذا المأزق ، فكيف يمكن أن يحلم جميع الناس نفس الأحلام ؟؟
كيف يمكن أن يحلموا جميعاً أن زيدان قد أحرز هدفاً فيقفون وقفة رجل واحد هاتفين ؟
بل كيف يحلمون تماماً بنفس الطريقة التي يحلم بها الحيوانات ، فلو وضعت جداراً نارياً ثم أطلقت كلاباً و حميراً و بقراً و بني آدمين ، فكلهم سيجانبون الجدار الناري ، لماذا يفعلون ذلك ؟
هل لأنهم جميعاً يحلمون بنفس الشيء في نفس اللحظة ؟
أم أن المنطق و العقلانية تقول بأن ما يتكون في وعيهم هو انعكاس لحقيقة موجودة هي جدار ناري .
قد يراه أحدهم أحمراً كما نراه و قد يراه بعضهم أزرق و ربما أبيض ، لا يهم كيف يرونه ، المهم أنهم يرونه لأنه موجود خارج وعيهم ، موجود وجود مستقلٌ لا يعتمد على وعيهم . و أما من لا يرى الجدار النار نتيجة لخلل في أجهزة الاستقبال لديه فتلك مشكلته ، فلو جاء أعمى لربما دخل في النار لأن عينه لم ترصد وجود الجدار النار ، ستقول لي سيشعر بالحرارة فأبتسم ابتسامة عريضة و أٌقول لك إجعلها حفرة و ليس ناراً الخ :10:
المسألة الخامسة :
نسيت ما هي
همممممممم
اوكي
بالنسبة للعلم ، لماذا أقول لك أن العلم ليس له علاقة بهذه الفكرة ؟
باختصار لأن العلم يقول أن ما يتكون في الدماغ من إدراك ناتج عن استقبال إشارات تلتقطها حواسنا الخمسة ، فالعلم يقول بأننا نرى الأجسام لأنها تعكس الضوء فيسقط على عيوننا بأطوال موجية مختلفة فنرى ما نرى من الأشكال ، و ليس بأن عيوننا هي التي تُسقط الضوء على الأجسام كما كان يعتقد الناس ما قبل الحسن بن الهيثم . كذلك ليس الدماغ الذي يكوّن هذه الأجسام بسبب ما ذكرناه في أولاً و ثانياً و ثالثاً و رابعاً فوق و لا داعي لتكراره .
كذلك العلم يقول بأن الكون تكوّن قبل مليارات من السنين ، بينما الكائنات الحية في وقت متأخر جداً ، و الإنسان قد لا يكون في آخر دقيقة من منتصف الليل إن اعتبرنا عمر الكون 24 ساعة .
قد يختلف الكثير من العلماء حول الآلية ، لكن أحداً منهم لم يقل أن وجود الذات الواعية سبق وجود الكون بأي بحث علمي ، و إن كان أحدهم قال ذلك فاحضر لي قوله ، و لكن لا تفعل مثل هارون يحيى حين اقتبس عن باركلي و قال " و هنا يعلّق الفيلسوف المشهور باركلي فيقول .... " ، فهذا كما تعرف دجلاً مكشوفاً لا ينطلي إلا على من لم يسمع بباركلي ، أو كما اقتبس عن برتراند رسل قوله باللامادية ، هؤلاء فلاسفة و ليس لهم علاقة بالعلم ، لا يهمني ماذا يعتقد هذا أو ذاك حين نتكلم عن العلم و الأسلوب العلمي في المعرفة .
بالمناسبة أخبرني أحد الزملاء أن برتراند راسل كان في بداية طلعته الفلسفية لاماديا ثم ترك هذا الفكر . لم أبحث في هذه الجزئية و لن أبحث لأنه لا يهمني رايل بالذات ، فسواء كان لاماديا أو مادياً أو من تنظيم القاعدة فتلك مشكلته و ليست مشكلة العلم ، فقط أحببت أن أذكرها كي نعرف - إن صحت الرواية - كيف يكتب هارون يحيى مقالاته .
كذلك العلم يقول أن الحيوانات تحلم ، فهل هذا له مكان في منظومة اللاماديين الحلمية ؟
إن كانت الحيوانات تحلم فنحن جزء من أحلامها ، هذا كلام لا يقوله أحد من العلماء و لا يجرؤ حتى أن ينشره كبحث علمي محترم مبني على التجربة و المشاهدة إلا من كان على شاكلة هارون يحيى و من تبعه بأحلامٍ إلى يوم الدين .
لا أدري ربما أكون قد نسيت شيء ، و لكن تكفي هذه المآزق كعربون تحت الحساب للزميل القعقاع ليفسر لنا كيف يمكن أن يكون وجودنا مجرد حلم (بعيداً عن فيلم ماتريكس و الحاسة السادسة و الآخرون سماء الفانيلا و العقل الجميل و غيرها من الأفلام التي تتكلم بما يشبه كلام هارون يحيى و غيره .
يهمني يا عزيزي المنفتح أن تقرأ كل الكلام السابق بتمعن ، حتى لا تقول أنني فقط أحتج على تصنيف هذه الأفكار بالعلمية أو الفلسفية ، و أن الرد عليها لا يحتاج إلى لقليل من الجهد في كتابة الكثير من الأفكار التي درستها قبل زمن طويل .
في الرد الأخير للقعقاع كتب يقول :
اقتباس:سؤال للختيار بالمرة:
أنمت ترى أن الذين يقولون أن العالم حلم، من السذاجة لدرجة أنك تستطيع التهامهم.. فهل يا تُرى تَرى أن الذين يرون العالم عبثا نشأ بالصدفة وأنهم سينتهون كالعدم بعد الموت، على نفس الدرجة من السذاجة؟.. علما بأن الحلم أرقى من وهم الصدفة، فالحلم بعده استيقاظ، أما عالم الملحد فقد جاء من العدم وسيئول إلى العدم، أي أنه لم يرق حتّى لدرجة الحلم!!!!!
عزيزي القعقاع
طالما أنك بدأت بداية حلوة و جميلة بأن تتكلم على نقطة محددة (الحلم) فلماذا تعود إلى عادتك في القفز على الحبال بين موضوع و آخر فتضيّع نفسك و تتعبنا معك في العودة إلى الموضوع الأٍٍساس ؟
صدقني لا داعي لمثل هذه الحركات ، صدقني جميل جداً أن تناقش بهدوء و تركيز لا أن تقفز من نقطة لأخرى فتوهم نفسك و توهم الآخرين بأنك تطرح أسئلة صعبة ، ربما تجعلها صعبة بعدم ترتيبك لها ضمن سياق يمكن الرد عليه ، و هذا ما نرجو منك كمحاور جاد أن تفعله .
فما علاقة الصدفة بالموضوع ؟
طيب ، هل سبق و سمعتني أتكلم عن الصدفة ؟
ألم تشبعنا معادلات و احتمالات في موضوع داروين فهل رأيتني أتكلم عن الصدفة هناك ؟
ألم تراني و أنا أتكلم عن السببية و الإله الغائب ؟
على كل حال ، هذا ليس موضوعنا هنا و تشتيته لن يكون إلا استراحة المحارب بالنسبة لك ، لا يا عزيزي القعقاع ، واصل معي هذا النقاش الذي فتحته هنا ، و واصل معي مسألة الحلم بما أنك اخترت أن تكون أول أدلتك العلمية .
بالمناسبة ، كان يمكن أن أقول لك إكشف لنا عن مصادرك العلمية التي تفسر الحلم و الوجود كما تفسرها أنت و كل من ذكرنا من قبل ، لكن هذا لن يشبع فضول المنفتح في كيفية الرد على هذه المسألة من الناحية العقلية أيضاً ، لذلك كان لا بد من الرد عليها عقلياً و إظهار ما تحمل من مآزق .
و لكن هذا لا يعفيك أيضاً من ضرورة إظهار أدلتك العلمية و مصادرها التي تفسر الوجود على الطريقة الباركلية ، و إلا كتبنا عليك يا عزيزي أنك تبغبغ وراء هارون يحيى بما لا تعرف .
تحياتي القلبية لك
و ادعُ لي بإقامة سهلة بعيداً عن بيتي