يقول قعقاع :
" الوجود هو الإشارات الكهربية التي يتلقاها مخك باستمرار، والتي تجعله يترجم لك الأصوات والصور والروائح والطعوم والملمس والعواطف والمعاني والمفاهيم والعلوم... إلخ! "
طبعاً هذا لا يمكن أن يسمى تعريفاً علمياً و لا يمكنك أن تجده في أي مرجع علمي معتبر أو غير معتبر لتعريف الوجود .
هذا تعريف فلسفي مُقتبَس بشكل شبه حرفي عن تعريف باركلي للوجود ، رغم رفض قعقاع لكون باركلي هو الإمام الأكبر لهارون يحيى الذي ينقل عنه . و قد تم تحريف التعريف قليلاً بإدخال كلمات مثل (شحنات كهربائية) لتوحي بعلمية هذا التعريف .
هذا يشبه من يعرّف الرعد بأنه خلخلة الهواء الناتج عن تفريغ الشحنات الكهربائية بين شفتي ملك الرعد .
و حتى يقتنع الزميل قعقاع بأن باركلي - في شبابه - هو الإمام الأكبر لهذا التعريف ، سأقتبس لكم من موسوعة wikipedia فقرةً عن باركلي :
" Born in Ireland, Berkeley's theorizing was Empiricism at its most extreme.
As a young man, Berkeley theorized that the objects we perceive exist precisely as they appear to the senses.
Objective knowledge is possible because the perceived object is the only object that exists. There is no "real" object which is the substratum of the perceived object. There is no "real" object (no matter) "behind" the object as we perceive it, which "causes" our perceptions. All that exists is the object as we perceive it, and this is the real object."
التفاصيل هنا
و يمكن ترجمة الفقرة التالية على النحو التالي ( إغفروا ترجمتي فلست متخصصاً في هذا الفن ، و لكن سأترجمها قدر الإمكان) :
" وُلد في ايرلندا ، و نظرية باركلي كانت التجريبية في أقصى تطرفٍ لها ، و في شبابه ، نظّر باركلي بأن
الأشياء التي نُدركها توجد أساساً كما ترصدها حواسنا ، و المعرفة الموضوعية ممكنة لأن الشيء الذي نُدركه هو الشيء الوحيد الموجود ، لا يوجد شيء " حقيقي " وراء الشيء الذي نُدركه . لا يوجد شيء " حقيقي " (لا يوجد مادة) "خلف" الشيء الذي ندركه ، الذي " يسبب " إدراكنا . كل هذا الموجود هو الموجود كما ندركه ، و هذا هو الشيء الحقيقي . "
أعتقد الآن أن الزميل قعقاع سيقتنع بأن ما نقله عن هارون يحيى هو وجهة نظر فلسفية لا تمت إلى العلم بصلة ، و أن باركلي بدأ التنظير لها عام 1710 عندما كان يبلغ من العمر 25 عاماً .
و هذا ما بُح له صوتنا على مدى الصفحات الفائتة ، أن نقول للقعقاع أن تعريفه للوجود هو تعريف فلسفي مستمد من باركلي لا يعترف به العلم أبداً .
حين نقرأ فلسفة باركلي نعرف معنى هذا الكلام الذي يقوله قعقاع :
" التعريف الذي أوردته لك [COLOR=Red]هو التعريف العلميّ الوحيد للوجود
علمي جداً لدرجة أنه منقول بشكل شبه حرفي عما قاله باركلي قبل ثلاثة قرون ، حتى الأمثلة المستخدمة و التي تقوم أساساً على الحلم ، منقولة حرفياً عن باركلي ، و كذلك بالنسبة لخداع الحواس ، فباركلي تحدث عن الشمس التي تكون صغيرة و هي عمودية ، ثم تكبر عند الغروب حيث تكون أبعد عن الأرض و الطبيعي أن نراها أصغر ، كان هذا أحد أدلة باركلي على خداع الحواس ، استبدله هارون يحيى بالملعقة التي تظهر منكسرة في الماء .
هذا باختصار ما أراد أن يثبته لنا القعقاع علمياً .
بل تجده يقول :
" العلم منتج من منتجلت وعينا وحواسنا، وهو بالتالي لا يصلح مرجعا مطلقا لأي شيء، لأنه نفسه ما زال يحبو على طريق الاكتشاف اللانهائي! "
فهو يبرر عدم إخضاع الدين للعلم بأن العلم منتَج من منتجات عقولنا ، و كأنها أصبحت مسلمة بصمنا عليها جميعاً !!!!
العلم منتَج من منتجات عقولنا !!!!!
هل العلم يشبه أساطير التكوين السومرية و التوراتية و القرآنية !!!!!
العلم يعتمد أساساً على التجربة ، و ليس على الخيال أو الحدس .
الغاز يقل ضغطه كلما زاد حجمه ضمن شروط التجربة ، هذه حقيقة علمية ليس لها علاقة بما نعتقده عن الغاز إن كان مقدساً أم مدنساً .
فالعلم لا يعتمد على ما نريد أن نرى و نرصد ، بل على ما هو موجود حقيقةً .
ستقول لي أن الغاز ما هو إلا نتاج عقلك ، فالعلم المبني عليه هو نتاج عقلك ، سأقول لك أن هذا كلاماً باركلياً و ليس علمياً ، فإن شئتَ أن تناقشه ضمن مساقه الفلسفي دون أي ادعاء للعلمية ، ندخل معك إلى نقاش الذات الوحيدة و ما شابه ، و الفلسفة المثالية ، و غيرها .
يقول قعقاع في آخر ردوده :
"خلاص يا عم.. العلم هو المرجع المطلق..
هلا تفضلت وأثبت لي باستخدام هذا المرجع المطلق أنك موجود؟
هذا هو موضوعنا.."
أعتقد أنه قد بدا واضحاً خطأ السؤال الذي يطرحه قعقاع ، فهو يسأل سؤالاً فلسفياً و يريد عليه إجابةً علمية .
و هذا خلط في المنهج و لا يوصل إلى أي نتيجة .
و الجواب على تساؤله السابق هو أن العلم ليس لديه أي مشكلة مع الوجود الموضوعي للمادة ، و أن العلم يعتقد أننا نكوّن معرفتنا عن طريق ما تعكسه حواسنا عن الواقع ، و ليس ما تشكّله حواسنا من الواقع .
كذلك العلم يقول أن الأرض موجودة قبل الإنسان بمليارات السنين ، أي قبل أن يتكون أي وعي ، فكيف يدّعي القعقاع أن العلم يقول أن الوجود هو ما تدركه حواسنا ؟؟؟
لو كان الأمر كذلك لكان وجود وعي الإنسان سابقاً على وجود الأرض و الكون ، لأنها ناتجة عن وعيه كما يدعي صاحبنا القعقاع .
على كل حال
لم أكن أنوي الدخول في التفاصيل الفسلفية لنظرية المعرفة (الإبستيمولوجيا) ، فهذا يمكن مناقشته على حدة ، لكني كنت أهدف إلى إظهار التناقض الذي يحمله سؤال القعقاع ، و عدم عثوره على جواب معتقداً أننا نعجز عن الجواب ، و الأمر أن السؤال مُصاغٌ بطريقة خاطئة .
فمقولته "إثبت لي علمياً أننا موجودون" ، لو قمت بتحليلها لوجدتَ أنها مبنية على فكرة فلسفية قال بها باركلي قبل 3 قرون و العلم بريءٌ منها براءة الذئب من دم يوسف .
ملاحظة : لقد تمت كتابة هذا الرد على يومين ، لذلك أعتذر عن أي تكرار ناتج عن هذا السبب .
تحياتي لكم جميعاً